شباب ستار

شباب ستار

شباب ستار| اغاني | العاب | مسلسلات | مهرجنات| لوبات| برامج دجي | فلاتر| بروجكتات|افلام عربي-افلام اجنبي-افلام هندي-اغاني عربي-اغاني-اجنبي-برامج كاملة-العاب-نغمات-سيمزات-خلفيات-شات-رسائل-مطبخ حواء-gemes-movies-photo-flash-اكوادcss-اكوادthml-تقنيات
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
أهلا بك من جديد يا زائر آخر زيارة لك كانت في
آخر عضو مسجل ابوزيد الهلالى فمرحبا به


هذه الرسالة تفيد أنك غير مسجل .

و يسعدنا كثيرا انضمامك لنا ...

للتسجيل اضغط هـنـا


شاطر | 
 

 رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:21 am

أبو أيوب الأنصاري ( انفروا خفافا وثقالا )

كان الرسول عليه السلام يدخل المدينة مختتما بمدخله هذا رحلة هجرته الظافرة, ومستهلا أيامه المباركة في دار الهجرة التي ادّخر لها القدر ما لم يدخره لمثلها في دنيا الناس..
وسار الرسول وسط الجموع التي اضطرمت صفوفها وأفئدتها حماسة, ومحبة وشوقا... ممتطيا ظهر ناقته التي تزاحم الناس حول زمامها كل يريد أن يستضيف رسول الله..
وبلغ الموكب دور بني سالم بن عوف, فاعترضوا طريق الناقة قائلين:
" يا رسول الله, أقم عندنا, فلدينا العدد والعدة والمنعة"..
ويجيبهم الرسول وقد قبضوا بأيديهم على زمام الناقة:
" خلوا سبيلها فإنها مأمورة".
ويبلغ الموكب دور بني بياضة, فحيّ بني ساعدة, فحي بني الحارث بن الخزرج, فحي عدي بن النجار.. وكل بني قبيل من هؤلاء يعترض سبيل الناقة, وملحين أن يسعدهم النبي عليه الصلاة والسلام بالنزول في دورهم.. والنبي يجيبهم وعلى شفتيه ابتسامة شاكرة:
" خلوا سبيلها فإنها مأمورة..

لقد ترك النبي للمقادير اختيار مكان نزوله حيث سيكون لها المنزل خطره وجلاله.. ففوق أرضه سينهض المسجد الذي تنطلق منه إلى الدنيا بأسرها كلمات الله ونوره.. وإلى جواره ستقوم حجرة أو حجرات من طين وطوب.. ليس بها من متاع الدنيا سوى كفاف, أو أطياف كفاف!! سيسكنها معلم, ورسول جاء لينفخ الحياة في روحها الهامد. وليمنح كل شرفها وسلامها للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا.. للذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم.. وللذين أخلصوا دينهم لله.. للذين يصلحون في الأرض ولا يفسدون.
أجل كان الرسول عليه الصلاة والسلام ممعنا في ترك هذا الاختيار للقدر الذي يقود خطاه..
من اجل هذا, ترك هو أيضا زمام ناقته وأرسله, فلا هو يثني به عنقها ولا يستوقف خطاها.. وتوجه إلى الله بقلبه, وابتهل إليه بلسانه:
" اللهم خر لي, واختر لي"..
وأمام دار بني مالك بن النجار بركت الناقة.. ثم نهضت وطوّفت بالمكان, ثم عادت إلى مبركها الأول, وألقت جرانها. واستقرت في مكانها ونزل الرسول للدخول.. وتبعه رسول الله يخف به اليمن والبركة..
أتدرون من كان هذا السعيد الموعود الذي بركت الناقة أمام داره, وصار الرسول ضيفه, ووقف أهل المدينة جميعا يغبطونه على حظوظه الوافية..؟؟
انه بطل حديثنا هذا.. أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد, حفيد مالك بن النجار..
لم يكن هذا أول لقاء لأبي أيوب مع رسول الله..
فمن قبل, وحين خرج وفد المدينة لمبايعة الرسول في مكة تلك البيعة المباركة المعروفة بـبيعة العقبة الثانية.. كان أبو أيوب الأنصاري بين السبعين مؤمنا الذين شدّوا أيمانهم على يمين الرسول مبايعين, مناصرين.

والآن رسول الله يشرف المدينة, ويتخذها عاصمة لدين الله, فان الحظوظ الوافية لأبي أيوب جعلت من داره أول دار يسكنها المهاجر العظيم, والرسول الكريم.
ولقد آثر الرسول أن ينزل في دورها الأول.. ولكن ما كاد أبو أيوب يصعد إلى غرفته في الدور العلوي حتى أخذته الرجفة, ولم يستطع أن يتصوّر نفسه قائما أو نائما, وفي مكان أعلى من المكان الذي يقوم فيه رسول الله وينام..!!
وراح يلح على النبي ويرجوه إن ينتقل إلى طابق الدور الأعلى فاستجاب النبي لرجائه..
ولسوف يمكث النبي بها حتى يتمّ المسجد, وبناء حجرة له بجواره..
ومنذ بدأت قريش تتنمّر للإسلام وتشن غاراتها على دار الهجرة بالمدينة, وتؤلب القبائل, وتجيش الجيوش لتطفئ نور الله..
منذ تلك البداية, واحترف أبو أيوب صناعة الجهاد في سبيل الله.
ففي بدر, وأحد والخندق, وفي كل المشاهد والمغازي, كان البطل هناك بائعا نفسه وماله لله ربو العالمين..
وبعد وفاة الرسول, لم يتخلف عن معركة كتب على المسلمين أن يخوضوها, مهما يكن بعد الشقة, وفداحة المشقة..!
وكان شعاره الذي يردده دائما, في ليله ونهاره.. في جهره وإسراره.. قول الله تعالى:
( انفروا خفافا وثقالا)..
مرة واحدة.. تخلف عن جيش جعل الخليفة أميره واحدا من شباب المسلمين, ولم يقتنع أبو أيوب بإمارته.
مرة واحدة لا غير.. مع هذا فان الندم على موقفه هذا ظل يزلزل نفسه, ويقول:
" ما عليّ من استعمل عليّ"..؟؟
ثم لم يفته بعد ذلك قتال!!

كان حسبه أن يعيش جنديا في جيش الإسلام, يقاتل تحت رايته, ويذود عن حرمته..
ولما وقع الخلاف بين علي ومعاوية, وقف مع علي في غير تردد, لأنه الإمام الذي أعطي بيعة المسلمين.. ولما استشهد وانتهت الخلافة لمعاوية وقف أبو أيوب بنفسه الزاهدة, الصامدة التقية لا يرجو من الدنيا سوى أن يجد له مكان فوق أرض الوغى, وبين صفوف المجاهدين..
وهكذا, لم يكد يبصر جيش الإسلام يتحرك صوب القسطنطينية حتى ركب فرسه, وحمل سيفه, وراح يبحث عن استشهاد عظيم طالما حنّ إليه واشتاق..!!

وفي هذه المعركة أصيب.
وذهب قائد جيشه ليعوده, وكانت أنفاسه تسابق أشواقه إلى لقاء الله..
فسأله القائد, وكان يزيد بن معاوية:
" ما حاجتك أبا أيوب"؟
ترى, هل فينا من يستطيع أن يتصوّر أو يتخيّل ماذا كانت حاجة أبا أيوب..؟
كلا.. فقد كانت حاجته وهو يجود بروحه شيئا يعجز ويعيي كل تصوّر, وكل تخيّل لبني الإنسان..!!
لقد طلب من يزيد, إذا هو مات أن يحمل جثمانه فوق فرسه, ويمضي به إلى أبعد مسافة ممكنة في أرض العدو, وهنالك يدفنه, ثم يزحف بجيشه على طول هذا الطريق, حتى يسمع وقع حوافر خيل المسلمين فوق قبره, فيدرك آنئذ ـنهم قد أدركوا ما يبتغون من نصر وفوز..!!
أتحسبون هذا شعرا..؟
لا.. ولا هو بخيال, بل واقع, وحق شهدته الدنيا ذات يوم, ووقفت تحدق بعينيها, وبأذنيها, لا تكاد تصدق ما تسمع وترى..!!
ولقد أنجز يزيد وصيّة أبي أيوب..
وفي قلب القسطنطينية, وهي اليوم استانبول, ثوى جثمان رجل عظيم, جدّ عظيم..!!

وحتى قبل أن يغمر الإسلام تلك البقاع, كان أهل القسطنطينية من الروم, ينظرون إلى أبي أيوب في قبره نظرتهم إلى قدّيس...
وانك لتعجب إذ ترى جميع المؤرخين الذين يسجلون تلك الوقائع ويقولون:
" وكان الروم يتعاهدون قبره, ويزورونه.. ويستسقون به إذا قحطوا"..!!

وعلى الرغم من المعارك التي انتظمت حياة أبي أيول, والتي لم تكن تمهله ليضع سيفه ويستريح, على الرغم من ذلك, فان حياته كانت هادئة, نديّة كنسيم الفجر..

ذلك انه سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم حديثا فوعاه:
" وإذا صليت فصل صلاة مودّع..
ولا تكلمن الناس بكلام تعتذر منه..
والزم اليأس مما في أيدي الناس"...
وهكذا لم يخض في لسانه فتنة..
ولم تهف نفسه إلى مطمع..
وقضى حياته في أشواق عابد, وعزوف مودّع..
فلما جاء أجله, لم يكن له في طول الدنيا وعرضها من حاجة سوى تلك الأمنية لتي تشبه حياته في بطولتها وعظمتها:
" اذهبوا بجثماني بعيدا.. بعيدا.. في ارض الروم ثم ادفنوني هناك"...
كان يؤمن بالنصر, وكان يرى بنور بصيرته هذه البقاع, وقد أخذت مكانها بين واحات الإسلام, ودخلت مجال نوره وضيائه..
ومن ثمّ أراد أن يكون مثواه الأخير هناك, في عاصمة تلك البلاد, حيث ستكون المعركة الأخيرة الفاصلة, وحيث يستطيع تحت ثراه الطيّب, أن يتابع جيوش الإسلام في زحفها, فيسمع خفق أعلامها, وصهيل خيلها, ووقع أقدامها, وصصلة سيوفها..!!
وانه اليوم لثاو هناك..
لا يسمع صلصلة السيوف, ولا صهيل الخيول..
قد قضي الأمر, واستوت على الجوديّ من أمد بعيد..
لكنه يسمع كل يوم من صبحه إلى مسائه, روعة الأذان المنطلق من المآذن المشرّعة في الأفق..
أن:
الله أكبر..
الله أكبر..
وتجيب روحه المغتبطة في دار خلدها, وسنا مجدها:
هذا ما وعدنا الله ورسوله
وصدق الله ورسوله....


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:22 am

أبو جابر عبدالله بن عمرو بن حرام ( ظليل الملائكة )

عندما كان الأنصار السبعون يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية, كان عبدالله بن عمرو بن حرام, أبو جابر بن عبدالله أحد هؤلاء الأنصار..
ولما اختار الرسول صلى الله عليه وسلم منهم نقباء, كان عبدالله بن عمرو أحد هؤلاء النقباء.. جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبا على قومه من بني سلمة..
ولما عاد إلى المدينة وضع نفسه, وماله, وأهله في خدمة الإسلام..
وبعد هجرة الرسول إلى المدينة, كان أبو جابر قد وجد كل حظوظه السعيدة في مصاحبة النبي عليه السلام ليله ونهاره..

وفي غزوة بدر خرج مجاهدا, وقاتل قتال الأبطال..
وفي غزوة أحد تراءى له مصرعه قبل أن يخرج المسلمون للغزو..
وغمره إحساس صادق بأنه لن يعود, فكاد قلبه يطير من الفرح!!
ودعا إليه ولد جابر بن عبدالله الصحابي الجليل, وقال له:
" إني لا أرى إلا مقتولا في هذه الغزوة..
بل لعلي سأكون أول شهدائها من المسلمين..
واني والله, لا أدع أحدا بعدي أحبّ إليّ منك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم..
وان عليّ دبنا, فاقض عني ديني, واستوص بإخوتك خيرا"..

وفي صبيحة اليوم التالي, خرج المسلمون للقاء قريش..
قريش التي جاءت في جيش لجب تغزو مدينتهم الآمنة..
ودارت معركة رهيبة, أدرك المسلمون في بدايتها نصرا سريعا, كان يمكن أن يكون نصرا حاسما, لولا أن الرماة الذين أمرهم الرسول عليه السلام بالبقاء في مواقعهم وعدم مغادرتها أبدا أغراهم هذا النصر الخاطف على القرشيين, فتركوا مواقعهم فوق الجبل, وشغلوا بجمع غنائم الجيش المنهزم..
هذا الجيش الذي جمع فلوله سريعا حين رأى ظهر المسلمين قد انكشف تماما, ثم فاجأهم بهجوم خاطف من وراء, فتحوّل نصر المسلمين إلى هزيمة..

في هذا القتال المرير, قاتل عبدالله بن عمرو قتال مودّع شهيد..
ولما ذهب المسلمون بعد نهاية القتال ينظرون شهدائهم.. ذهب جابر ابن عبدالله يبحث عن أبيه, حتى ألفاه بين الشهداء, وقد مثّل به المشركون, كما مثلوا يغيره من الأبطال..
ووقف جابر وبعض أهله يبكون شهيد الإسلام عبدالله بن عمرو بم جرام, ومرّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكونه, فقال:
" ابكوه..
أ,لا تبكوه..
فان الملائكة لتظلله بأجنحتها"..!!

كان إيمان أبو جابر متألقا ووثيقا..
وكان حبّه بالموت في سبيل الله منتهى أطماحه وأمانيه..
ولقد أنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فيما بعد نبأ عظيم, يصوّر شغفه بالشهادة..
قال عليه السلام لولده جابر يوما:
" يا جابر..
ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب..
ولقد كلّم كفاحا _أي مواجهة_
فقال له: يا عبدي, سلني أعطك..
فقال: يا رب, أسألك أن تردّني إلى الدنيا, لأقتل في سبيلك ثانية..
قال له الله:
انه قد سبق القول مني: إنهم إليها لا يرجعون.
قال: يا رب فأبلغ من ورائي بما أعطيتنا من نعمة..
فأنزل الله تعالى:
(ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا, بل أحياء عند ربهم يرزقون, فرحين بما أتاهم الله من فضله, ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم. ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون)".

وعندما كان المسلمون يتعرفون على شهدائهم الأبرار, بعد فراغ القتال في أحد..
وعندما تعرف أهل عبدالله بن عمرو على جثمانه, حملته زوجته على ناقتها وحملت معه أخاها الذي استشهد أيضا, وهمّت بهما راجعة إلى المدينة لتدفنهما هناك, وكذلك فعل بعض المسلمين بشهدائهم..
بيد أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم لحق بهم وناداهم بأمر رسول الله أن:
" أن ادفنوا القتلى في مصارعهم"..
فعاد كل منهم بشهيده..
ووقف النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يشرف على دفن أصحابه الشهداء, الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه, وبذلوا أرواحهم الغالية قربانا متواضعا لله ولرسوله.
ولما جاء دور عبدالله بن حرام ليدفن, نادى رسول الله صلى اله عليه وسلم:
" ادفنوا عبدالله بن عمرو, وعمرو بن الجموح في قبر واحد, فإنهما كانا في الدنيا متحابين, متصافين"..
والآن..
في خلال اللحظات التي يعدّ فيها القبر السعيد لاستقبال الشهيدين الكريمين, تعالوا نلقي نظرة محبّة على الشهيد الثاني عمرو بن الجموح


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:22 am

أبو ذر الغفاري ( زعيم المعارضة وعدو الثروات )

أقبل على مكة نشوان مغتبطا..
صحيح أن وعثاء السفر وفيح الصحراء قد وقذاه بالضنى والألم, بيد أن الغاية التي يسعى إليها, أنسته جراحه, وأفاضت على روحه الحبور والبشور.
ودخلها متنكرا, كأنه واحد من أولئك الذين يقصدونها ليطوّفوا بآلهة الكعبة العظام.. أو كأنه عابر سبيل ضل طريقه, أو طال به السفر والارتحال فأوى إليها يستريح ويتزوّد.
فلو علم أهل مكة أنه جاء يبحث عن محمد صلى الله عليه وسلم, ويستمع إليه لفتكوا به.
وهو لا يرى بأسا في أن يفتكوا به, ولكن بعد أن يقابل الرجل إلي قطع الفيافي ليراه, وبعد أن يؤمن به, إن اقتنع بصدقه واطمأن لدعوته..
ولقد مضى يتسمّع الأنباء من بعيد, وكلما سمع قوما يتحدثون عن محمد اقترب منهم في حذر, حتى جمع من نثارات الحديث هنا وهناك ما دله على محمد, وعلى المكان الذي يستطيع أن يراه فيه.
في صبيحة يوم ذهب إلى هناك, فوجد الرسول صلى الله عليه وسلم جالساً وحده, فاقترب منه وقال: نعمت صباحا يا أخا العرب..
فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام يا أخاه.
قال أبو ذر:أنشدني مما تقول..
فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام: ما هو بشعر فأنشدك, ولكنه قرآن كريم.
قال أبو ذر: اقرأ عليّ..
فقرأ عليه الرسول, وأبو ذر يصغي.. ولم يمض من الوقت غير قليل حتى هتف أبو ذر:
"أشهد أن لا اله إلا الله.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله"!
وسأله النبي: ممن أنت يا أخا العرب..؟
فأجابه أبو ذر: من غفار..
وتألقت ابتسامة على فم الرسول صلى الله عليه وسلم, واكتسى وجهه الدهشة والعجب..
وضحك أبو ذر كذلك, فهو يعرف سر العجب الذي كسا وجه الرسول عليه السلام حين علم أن هذا الذي يجهر بالإسلام أمامه إنما هو رجل من غفار..!!
فغفار هذه قبيلة لا يدرك لها شأو في قطع الطريق..!!
وأهلها مضرب الأمثال في السطو غير المشروع.. إنهم حلفاء الليل والظلام, والويل لمن يسلمه الليل إلى واحد من قبيلة غفار.
أفيجيء منهم اليوم, والإسلام لا يزال دينا غصّا مستخفياَ, واحد ليسلم..؟!

يقول أبو ذر وهو يروي القصة بنفسه:
".. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرفع بصره ويصوّبه تعجبا, لما كان من غفار, ثم قال: إن الله يهدي من يشاء.
ولقد كان أبو ذر رضي الله عنه أحد الذين شاء لهم الهدى, وأراد بهم الخير.
وإنه لذو بصر بالحق, فقد روي عنه أنه أحد الذين شاء الله لهم الهدى, وأراد بهم الخير.
وانه لذو بصر بالحق, فقد روي عنه أنه أحد الذين كانوا يتألهون في الجاهلية, أي يتمرّدون على عبادة الأصنام , ويذهبون إلى الإيمان باله خالق عظيم. وهكذا ما كاد يسمع بظهور نبي يسفّه عبادة الأصنام وعبّادها, ويدعو إلى عبادة الله الواحد القهار, حتى حث إليه الخطى, وشدّ الرحال.

أسلم أبو ذر من فوره..
وكان ترتيبه في المسلمين الخامس أو السادس..
إذن, هو قد أسلم في الأيام الأولى, بل الساعات الأولىللإسلام, وكان إسلامه مبكرا..
وحين أسلم كلن الرسول يهمس بالدعوة همسا.. يهمس بها إلى نفسه, وإلى الخمسة الذين آمنوا معه, ولم يكن أمام أبي ذر إلا أن يحمل إيمانه بين جنبيه, ويتسلل به مغادراً مكة, وعائدا إلى قومه...
ولكن أبا ذر, جندب بن جنادة, يحمل طبيعة فوارة جيّاشة.
لقد خلق ليتمرّد على الباطل أنى يكون.. وها هو ذا يرى الباطل بعينيه.. حجارة مرصوصة, ميلاد عابديها أقدم من ميلادها, تنحني أمامها الجباه والعقول, ويناديها الناس: لبيك.. لبيك..!!
وصحيح أنه رأى الرسول يؤثر لهمس في أيامه تلك.. ولكن لا بدّ من صيحة يصيحها هذا الثائر الجليل قبل أن يرحل.
لقد توجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فور إسلامه بهذا السؤال:
يا رسول الله, بم تأمرني..؟
فأجابه الرسول: ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمري..
فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالإسلام في المسجد..!!
ألم أقل لكم..؟؟
تلك طبيعة متمرّدة جيّاشة, أفي اللحظة التي يكشف فيها أبو ذر عالما جديدا بأسره يتمثل في الرسول الذي آمن به, وفي الدعوة التي سمع بتباشيرها على لسانه.. أفي هذه اللحظة يراد له أن يرجع إلى أهله صامتا.؟
هذا أمر فوق طاقته..
هنالك دخل المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته:
[أشهد أن لا اله إلا الله.. وأشهد أن محمدا رسول الله]...

كانت هذه الصيحة أول صيحة بالإسلام تحدّت كبرياء قريش وقرعت أسماعها.. صاحها رجل غريب ليس له في مكّة حسب ولا نسب ولا حمى..
ولقد لقي ما لم يكن يغيب عن فطنته أنه ملاقيه.. فقد أحاط به المشركون وضربوه حتى صرعوه..
وترامى النبأ إلى العباس عم النبي, فجاء يسعى, وما استطاع أن ينقذه من بين أنيابهم إلا بالحيلة الذكية, قال له:
"يا معشر قريش, أنتم تجار, وطريقكم على غفار,, وهذا رجل من رجالها, إن يحرّض قومه عليكم, يقطعوا على قوافلكم الطريق".. فثابوا إلى رشدهم وتركوه.
ولكن أبا ذر, وقد ذاق حلاوة الأذى في سبيل الله, لا يريد أن يغادر مكة حتى يظفر من طيباته بمزيد...!!
وهكذا لا يكاد في اليوم الثاني وربما في نفس اليوم, يلقى امرأتين تطوفان بالصنمين (أساف, ونائلة) ودعوانهما, حتى يقف عليهما ويسفه الصنمين تسفيها مهينا.. فتصرخ المرأتان, ويهرول الرجال كالجراد, ثم لا يفتون يضربونه حتى يفقد وعيه..
وحين يفيق يصرخ مرة أخرى بأنه " يشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله". ويدرك الرسول عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد, وقدرته الباهرة على مواجهة الباطل. بيد أن وقته لم يأت بعد, فيعيد عليه أمره بالعودة إلى قومه, حتى إذا سمع بظهور الدين عاد وأدلى في مجرى الأحداث دلوه..

ويعود أبو ذر إلى عشيرته وقومه, فيحدثهم عن النبي الذي ظهر يدعو إلى عبادة الله وحده ويهدي لمكارم الأخلاق, ويدخل قومه في الإسلام, واحدا اثر واحد.. ولا يكتفي بقبيلته غفار, بل ينتقل إلى قبيلة أسلم فيوقد فيها مصابيحه..!!
وتتابع الأيام رحلتها في موكب الزمن, ويهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, ويستقر بها والمسلمون معه.
وذات يوم تستقبل مشارفها صفوفا طويلة من المشاة والركبان, أثارت أقدامهم النقع.. ولولا تكبيراتهم الصادعة, لحبسهم الرائي جيشا مغيرا من جيوش الشرك..
اقترب الموكب اللجب.. ودخل المدينة.. ويمم وجهه شطر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومقامه..
لقد كان الموكب قبيلتي غفار وأسلم, جاء بهما أبو ذر مسلمين جميعا رجإلا ونساء. شيوخا وشبابا, وأطفالا..!!
وكان من حق الرسول عليه الصلاة والسلام أن يزداد عجبا ودهشة..
فبالأمس البعيد عجب كثيرا حين رأى أمامه رجلا واحدا من غفار يعلن إسلامه وإيمانه, وقال معبّرا عن دهشته:
"إن الله يهدي من يشاء"..!!
أما اليوم فان قبيلة غفار بأجمعها تجيئه مسلمة.وقد قطعت في الإسلام بضع سنين منذ هداها الله على يد أبي ذر, وتجيء معها قبيلة أسلم..
إن عمالقة السطور وحلفاء الشيطان, قد أصبحوا عمالقة في الخير وحلفاء للحق.
أليس الله يهدي من يشاء حقا..؟؟
لقد ألقى الرسول عليه الصلاة والسلام على وجوههم الطيبة نظرات تفيض غبطة وحنانا وودا..
ونظر إلى قبيلة غفار وقال:
"غفار غفر الله لها".
ثم إلى قبيلة أسلم فقال:
"وأسلم سالمها الله"..
وأبو ذر هذا الداعية الرائع.. القوي الشكيمة, العزيز المنال.. إلا يختصه الرسول عليه الصلاة والسلام بتحية..؟؟
أجل.. ولسوف يكون جزاؤه موفورا, وتحيته مباركة..
ولسوف يحمل صدره, ويحمل تاريخه, أرفع الأوسمة وأكثرها جلالا وعزة..
ولسوف تفنى القرون والأجيال, والناس يرددون رأي الرسول صلى الله عليه وسلم في أبي ذر:
" ما أقلّت الغبراء, ولا أظلّت الصحراء أصدق لهجة من أبي ذر"..!!
ويدرك الرسول عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد, وقدرته الباهرة على مواجهة الباطل.. بيد أن وقته لم يأت بعد, فيعيد عليه أمره بالعودة إلى قومه, حتى إذا سمع بظهور الدين عاد وأدلى في مجرى الأحداث دلّوه..

أصدق لهجة في أبي ذر..؟
لقد قرأ الرسول عليه الصلاة والسلام مستقبل صاحبه, ولخص حياته كلها في هذه الكلمات..
فالصدق الجسور, هو جوهر حياة أبي ذر كلها..
صدق باطنه, وصدق ظاهره..
صدق عقيدته وصدق لهجته..
ولسوف يحيا صادقا.. لا يغالط نفسه, ولا يغالط غيره, ولا يسمح لأحد أن يغالطه..
ولئن يكون صدقه فضيلة خرساء.. فالصدق الصامت ليس صدقا عند أبي ذر..
إنما الصدق جهر وعلن.. جهر بالحق وتحد للباطل..تأييد للصواب ودحض للخطأ..
الصدق ولاء رشيد للحق, وتعبير جريء عنه, وسير حثيث معه..

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم ببصيرته الثاقبة عبر الغيب القصيّ والمجهول البعيد كل المتاعب التي سيفيئها على أبي ذر صدقه وصلابته, فكان يأمره دائما أن يجعل الأناة والصبر نهجه وسبيله.
وألقى الرسول يوما هذا السؤال:
" يا أبا ذر كيف أنت إذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء"..؟
فأجاب قائلا:
"إذن والذي بعثك بالحق, لأضربن بسيفي".!!
فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام:
"أفلا أدلك على خير من ذلك..؟
اصبر حتى تلقاني".
ترى لماذا سأله الرسول هذا السؤال بالذات..؟؟
الأمراء .. والمال..؟؟

تلك قضية أبي ذر التي سيهبها حياته, وتلك مشكلته مع المجتمع ومع المستقبل..
ولقد عرفها رسول الله فألقى عليه السؤال, ليزوده هذه النصيحة الثمينة:"اصبر حتى تلقاني"..
ولسوف يحفظ أبوذر وصية معلمه, فلن يحمل السيف الذي توّد به الأمراء الذين يثرون من مال الأمة.. ولكنه أيضا لن يسكت عنهم لحظة من نهار..
أجل إذا كان الرسول قد نهاه عن حمل السيف في وجوههم, فانه لا ينهاه عن أن يحمل في الحق لسانه البتار..
ولسوف يفعل..

ومضى عهد الرسول, ومن بعده عصر أبي بكر, وعصر عمر في تفوق كامل على مغريات الحياة ودواعي الفتنة فيها..
حتى تلك النفوس المشتهية الراغبة, لم تكن تجد لرغباتها سبيلا ولا منفذا.
وأيامئذ, لم تكن ثمة انحرافات يرفع أبو ذر ضدها صوته ويفلحها بكلماته اللاهبة...

ولقد طال عهد أمير المؤمنين عمر, فارضا على ولاة المسلمين وأمرائهم وأغنيائهم في كل مكان من الأرض, زهدا وتقشفا, ودعلا يكاد يكون فوق طاقة البشر..

إن واليا من ولاته في العراق, أو في الشام, أو في صنعاء.. أو في أي من البلاد النائية البعيدة, لا يكاد يصل إليها نوعا من الحلوى, لا يجد عامة الناس قدرة على شرائه, حتى يكون الخبر قد وصل إلى عمر بعد أيام. وحتى تكون أوامره الصارمة قد ذهبت لتستدعي ذلك الوالي إلى المدينة ليلقى حسابه العسير..!!
ليهنأ أبو ذر إذن.. وليهنأ أكثر ما دام الفاروق العظيم أميرا للمؤمنين..
وما دام لا يضايق أبا ذر في حياته شيء مثلما يضايق استغلال السلطة, واحتكار الثروة, فان ابن الخطاب بمراقبته الصارمة للسلطة, وتوزيعه العادل للثروة سيتيح له الطمأنينة والرضا..
وهكذا تفرغ لعبادة ربه, وللجهاد في سبيله.. غير لائذ بالصمت إذا رأى مخالفة هنا, أو هناك.. وقلما كان يرى..

بيد أن أعظم, وأعدل, وأروع حكام البشرية قاطبة يرحل عن الدنيا ذات يوم, تاركا وراءه فراغا هائلا, ومحدثا رحيله من ردود الفعل ما لا مفرّ منه ولا طاقة للناس به. وتستمر الفتوح في مدّها, ويعلو معها مد الرغبات والتطلع إلى مناعم الحياة وترفها..
ويرى أبو ذر الخطر..

إن ألوية المجد الشخصي توشك أن تفتن الذين كل دورهم في الحياة أن يرفعوا راية الله..
إن الدنيا بزخرفها وغرورها الضاري, توشك أن تفتن الذين كل رسالتهم أن يجعلوا منها مزرعة للأعمال الصالحات..
إن المال الذي جعله الله خادما مطيعا للإنسان, يوشك أن يتحوّل إلى سيّد مستبد..
ومع من؟
مع أصحاب محمد الذي مات ودرعه مرهونة, في حين كانت أكوام الفيء والغنائم عند قدميه..!!
إن خيرات الأرض التي ذرأها الله للناس جميعا.. وجعل حقهم فيها متكافئا توشك أن أصير حكرا ومزية..
إن السلطة التي هي مسؤولية ترتعد من هول حساب الله عليها أفئدة الأبرار, تتحول إلى سبيل للسيطرة, وللثراء, وللترف المدمر الوبيل..
رأى أبو ذر كل هذا فلم يبحث عن واجبه ولا عن مسؤوليته.. بل راح يمد يمينه إلى سيفه.. وهز به الهواء فمزقه, ونهض قائما يواجه المجتمع بسيفه الذي لم تعرف له كبوة.. لكن سرعان ما رنّ في فؤاده صدى الوصية التي أوصاه بها الرسول, فأعاد السيف إلى غمده, فما ينبغي أن يرفعه في وجه مسلم..
(وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ)
ليس دوره اليوم أن يقتل.. بل أن يعترض..
وليس السيف أداة التغيير والتقويم, بل الكلمة الصادقة, الأمينة المستبسلة..
الكلمة العادلة التي لا تضل طريقها, ولا ترهب عواقبها.

لقد أخبر الرسول يوما وعلى ملأ من أصحابه, أن الأرض لم تقلّ, وأن السماء لم تظلّ أصدق لهجة من أبي ذر..
ومن كان يملك هذا القدر من صدق اللهجة, وصدق الاقتناع, فما حاجته إلى السيف..؟
إن كلمة واحدة يقولها, لأمضى من ملء الأرض سيوفا..

فليخرج بصدقه هذا, إلى الأمراء.. إلى الأغنياء. إلى جميع الذين أصبحوا يشكلون بركونهم إلى الدنيا خطرا على الدين الذي جاء هاديا, لا جابيا.. ونبوة لا ملكا,.. ورحمة لا عذابا.. وتواضعا لا استعلاء.. وتكافؤ لا تمايز.. وقناعة لا جشعا.. وكفاية لا ترفا.. واتئادا في أخذ الحياة, لا فتونا بها ولا تهالكا عليها..
فليخرج إلى هؤلاء جميعا, حتى يحكم الله بينهم وبينه بالحق, وهو خير الحاكمين.

وخرج أبو ذر إلى معاقل السلطة والثروة, يغزوها بمعارضته معقلا معقلا.. وأصبح في أيام معدودات الراية التي التفت حولها الجماهير والكادحون.. حتى في الأقطار النائية التي لم يره أهلها بعد.. طار إليها ذكره. وأصبح لا يمر بأرض, بل ولا يبلغ اسمه قوما إلا أثار تساؤلات هامّة تهدد مصالح ذوي السلطة والثراء.
ولو أراد هذا الثائر الجليل أن يتخذ لنفسه ولحركته علما خاصا لما كان الشعار المنقوش على العلم سوى مكواة تتوهج حمرة ولهبا, فقد جعل نشيده وهتافه الذي يردده في كل مكان وزمان.. ويردده الإنس عنه كأنه نشيد.. هذه الكلمات:
"بشّر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة"..!!
لا يصعد جبلا, ولا ينزل سهلا, ولا يدخل مدينة, ولا يواجه أميرا إلا وهذه الكلمات على لسانه.
ولم يعد الإنس يبصرونه قادما إلا استقبلوه بهذه الكلمات:
" بشّر الكانزين بمكاو من نار"..
لقد صارت هذه العبارة علما على رسالته التي نذر حياته لها, حين رأى الثروات تتركز وتحتكر.. وحين رأى السلطة استعلاء واستغلال.. وحين رأى حب الدنيا يطغى ويوشك أن يطمر كل ما صنعته سنوات الرسالة العظمى من جمال وورع, وتفان وإخلاص..

لقد بدأ بأكثر تلك المعاقل سيطرة ورهبة.. هناك في الشام حيث "معاوية بن أبي سفيان" يحكم أرضا من أكثر بلاد الإسلام خصوبة وخيرا وفيضا, وانه ليعطي الأموال ويوزعها بغير حساب, يتألف بها الناس الذين لهم حظ ومكانة, ويؤمن بها مستقبله الذي كان يرنو إليه طموحه البعيد.
هناك الضياع والقصور والثروات تفتن الباقية من حملة الدعوة, فليدرك أبو ذر الخطر قبل أن يحيق ويدمّر..
وحسر زعيم المعارضة رداءه المتواضع عن ساقيه, وسابق الريح إلى الشام..
ولم يكد الناس العاديون يسمعون بمقدمه حتى استقبلوه في حماسة وشوق, والتفوا حوله أينما ذهب وسار..
حدثنا يا أبا ذر..
حدثنا يا صاحب رسول الله..
ويلقي أبو ذر على الجموع حوله نظرات فاحصة, فيرى أكثرها ذوي خصاصة وفقر.. ثم يرنو ببصره نحو المشارف القريبة فيرى القصور والضياع..
ثم يصرخ في الحافين حوله قائلا:
" عجبت لمن لا يجد القوت في بيته, كيف لا يخرج على الإنس شاهرا سيفه"..؟؟!!

ثم يذكر من فوره وصية رسول الله أن يضع الأناة مكان الانقلاب, والكلمة الشجاعة مكان السيف.. فيترك لغة الحرب هذه ويعود إلى لغة المنطق والاقتناع, فيعلم الناس جميعا أنهم جميعا سواسية كأسنان المشط.. وأنهم جميعا شركاء في الرزق.. وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.. وأن أمير القوم ووليهم, هو أول من يجوع إذا جاعوا, وآخر من شبع إذا شبعوا..
لقد قرر أن يخلق بكلماته وشجاعته رأيا عامّا من كل بلاد الإسلام يكون له من الفطنة والمناعة, والقوة ما يجعله شكيمة لأمرائه وأغنيائه, وما يحول دون ظهور طبقات مستغلة للحكم, أو محتكرة للثروة.

وفي أيام قلائل, كانت الشام كلها كخلايا نحل وجدت ملكتها المطاعة.. ولو أعطى أبو ذر إشارة عابرة بالثورة لاشتعلت نارا.. ولكنه كما قلنا, حصر اهتمامه في خلق رأي عام يفرض احترامه, وصارت كلماته حديث المجالس والمساجد والطريق.
ولقد بلغ خطره على الامتيازات الناشئة مداه, يوم ناظر معاوية على ملأ من الناس. ثم أبلغ الشاهد للمناظرة, الغائب عنها. وسارت الرياح بأخبارها..

ولقد وقف أبو ذر أصدق العالمين لهجة, كما وصفه نبيه وأستاذه..
وقف يسائل معاوية في غير خوف ولا مداراة عن ثروته قبل أن يصبح حاكما, وعن ثروته اليوم..!!
وعن البيت الذي كان يسكنه بمكة, وعن قصوره بالشام اليوم..!!
ثم يوجه السؤال للجالسين حوله من الصحابة الذين صحبوا معاوية إلى الشام وصار لبعضهم قصور وضياع.
ثم يصيح فيهم جميعا: أفأنتم الذين نزل القرآن على الرسول وهو بين ظهرانيهم..؟؟
ويتولى الإجابة عنهم: نعم أنتم الذين نزل فيكم القرآن, وشهدتم مع الرسول المشاهد..
ثم يعود ويسأل: ألا تجدون في كتاب الله هذه الآية:
(وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35))..؟؟( التوبة )

ويختلان معاوية طريق الحديث قائلا: لقد أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب..
ويصيح أبو ذر: لا بل أنزلت لنا ولهم..
ويتابع أبو ذر القول ناصحا معاوية ومن معه أن يخرجوا كل ما بأيديهم من ضياع وقصور وأموال.. وألا يدّخر أحدهم لنفسه أكثر من حاجات يومه..
وتتناقل المحافل والجموع نبأ هذه المناظرة وأنباء أبي ذر..
ويتعالى نشيد أبي ذر في البيوت والطرقات:
(بشّر الكانزين بمكاو من نار يوم القيامة)..

ويستشعر معاوية الخطر, وتفزعه كلمات الثائر الجليل, ولكنه يعرف له قدره, فلا يقربه بسوء, ويكتب عن فوره للخليفة عثمان رضي الله عنه يقول له:" إن أبا ذر قد أفسد الإنس بالشام"..
ويكتب عثمان لأبي ذر يستدعيه للمدينة.
ويحسر أبي ذر طرف ردائه عن ساقيه مرّة أخرى ويسافر إلى المدينة تاركا الشام في يوم لم تشهد دمشق مثله يوما من أيام الحفاوة والوداع..!!

(لا حاجة لي في دنياكم)..!!
هكذا قال أبو ذر للخليفة عثمان بعد أن وصل إلى المدينة, وجرى بينهما حوار طويل.
لقد خرج عثمان من حواره مع صاحبه, ومن الأنباء التي توافدت عليه من كل الأقطار عن مشايعة الجماهير لآراء أبي ذر, بادراك صحيح لخطر دعوته وقوتها, وقرر أن يحتفظ به إلى جواره في المدينة, محددا بها إقامته.
ولقد عرض عثمان قراره على أبي ذر عرضا رفيقا, رقيقا, فقال له:" ابق هنا بجانبي, تغدو عليك القاح وتروح"..
وأجابه أبو ذر:
(لا حاجة لي في دنياكم).!

أجل لا حاجة له في دنيا الناس.. انه من أولئك القديسين الذين يبحثون عن ثراء الروح, ويحيون الحياة ليعطوا لا ليأخذوا..!!
ولقد طلب من الخليفة عثمان رضي الله عنه أن يأذن له الخروج إلى الرّبذة فأذن له..

ولقد ظل وهو في احتدام معارضته أمينا لله ورسوله, حافظا في أعماق روحه النصيحة التي وجهها إليه الرسول عليه الصلاة والسلام ألا يحمل السيف.. لكأن الرسول رأى الغيب كله.. غيب أبي ذر ومستقبله, فأهدى إليه هذه النصيحة الغالية.
ومن ثم لم يكن أبو ذر ليخفي انزعاجه حين يرى بعض المولعين بإيقاد الفتنة يتخذون من دعوته سببا لإشباع ولعهم وكيدهم.
جاءه يوما وهو في الرّبدة وفد من الكوفة يسألونه أن يرفع راية الثورة ضد الخليفة, فزجرهم بكلمات حاسمة:
" والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة, أ جبل, لسمعت, وأطعت, وصبرت واحتسبت, ورأيت ذلك خيرا لي.."
" ولوسيّرني ما بين الأفق إلى الأفق , لسمعت وأطعت, وصبرت واحتسبت, ورأيت ذلك خيرا لي..
" ولو ردّني إلى منزلي, لسمعت وأطعت, وصبرت واحتسبت, ورأيت ذلك خيرا لي"..

ذلك رجل لا يريد غرضا من أغراض الدنيا, ومن ثم أفاء الله عليه نور البصيرة.. ومن ثم مرة أخرى أدرك ما تنطوي عليه الفتنة المسلحة من وبال وخطر فتحاشاها.. كما أدرك ما ينطوي عليه الصمت من وبال وخطر, فتحاشاه أيضا, ورفع صوته لا سيفه بكلمة الحق ولهجة الصدق, لا أطماع تغريه.. ولا عواقب تثنيه..!
لقد تفرّغ أبو ذر للمعارضة الأمينة وتبتّل.

وسيقضي عمره كله يحدّق في أخطاء الحكم وأخطاء المال, فالحكم والمال يملكان من الإغراء والفتنة ما يخافه أبو ذر على إخوانه الذين حملوا راية الإسلام مع رسولهم صلى الله عليه وسلم, والذين يجب أن يظلوا لها حاملين.
والحكم والمال أيضا, هما عصب الحياة للأمة والجماعات, فإذا اعتورهما الضلال تعرضت مصاير الناس للخطر الأكيد.
ولقد كان أبو ذر يتمنى لأصحاب الرسول إلا يلي أحد منهم إمارة أو يجمع ثروة, وأن يظلوا كما كانوا روّاد للهدى, وعبّادا لله..
وقد كان يعرف ضراوة الدنيا وضراوة المال, وكان يدرك أن أبا بكر وعمر لن يتكررا.. ولطالما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من إغراء الإمارة ويقول عنها:
".. إنها أمانة, وإنها يوم القيامة خزي وندامة.. إلا من أخذها بحقها, وأدّى الذي عليه فيها"...

ولقد بلغ الأمر بأبي ذر ليتجنّب إخوانه إن لم يكن مقاطعتهم,لأنهم ولوا الإمارات, وصار لهم بطبيعة الحال ثراء وفرة..
لقيه أبو موسى الأشعري يوما, فلم يكد يراه حتى فتح له ذراعيه وهو يصيح من الفرح بلقائه:" مرحبا أبا ذر.. مرحبا بأخي".
ولكن أبا ذر دفعه عنه وهو يقول:
" لست بأخيك, إنما كنت أخاك قبل أن تكون واليا وأميرا"..!
كذلك لقيه أبو هريرة يوما واحتضنه مرحّبا, ولكن أبا ذر نحّاه عنه بيده وقال له:
(اليك عني.. ألست الذي وليت الإمارة, فتطاولت في البنيان, واتخذت لك ماشية وزرعا)..؟؟
ومضى أبو هريرة يدافع عن نفسه ويبرئها من تلك الشائعات..

وقد يبدو أبو ذر مبالغا في موقفه من الحكم والثروة..
ولكن لأبي ذر منطقه الذي يشكله صدقه مع نفسه, ومع إيمانه, فأبو ذر يقف بأحلامه وأعماله.. بسلوكه ورؤاه, عند المستوى الذي خلفه لهم رسول الله وصاحباه.. أبو بكر وعمر..

وإذا كان البعض يرى في ذلك المستوى مثالية لا يدرك شأوها, فان أبا ذر يراها قدوة ترسم طريق الحياة والعمل, ولا سيما لأولئك الرجال الذين عاصروا الرسول عليه السلام, وصلوا وراءه, وجاهدوا معه, وبايعوه على السمع والطاعة.
كما أنه يدرك بوعيه المضيء, ما للحكم وما للثروة من أثر حاسم في مصاير الناس, ومن ثم فان أي خلل يصيب أمانة الحكم, أو عدالة الثروة, يشكل خطرا يجب دحضه ومعارضته.

ولقد عاش أبو ذر ما استطاع حاملا لواء القدوة العظمى للرسول عليه السلام وصاحبيه, أمينا عليها, حارسا لها.. وكان أستاذ في فن التفوق على مغريات الإمارة والثروة,...
عرضت عليه الإمارة بالعراق فقال:
" لا والله.. لن تميلوا عليّ بدنياكم أبدا"..
ورآه صاحبه يوما يلبس جلبابا قديما فسأله:
أليس لك ثوب غير هذا..؟! لقد رأيت معك منذ أيام ثوبين جديدين..؟
فأجابه أبو ذر: " يا بن أخي.. لقد أعطيتهما من هو أحوج إليهما مني"..
قال له: والله انك لمحتاج إليهما!!
فأجاب أب ذر: "اللهم اغفر.. انك لمعظّم للدنيا, ألست ترى عليّ هذه البردة..؟؟ ولي أخرى لصلاة الجمعة, ولي عنزة أحلبها, وأتان أركبها, فأي نعمة أفضل ما نحن فيه"..؟؟

وجلس يوما يحدّث ويقول:
[أوصاني خليلي بسبع..
أمرني بحب المساكين والدنو منهم..
وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني, ولا أنظر إلى من هو فوقي..
وأمرني إلا أسأل أحد شيئا..
وأمرني أن أصل الرحم..
وأمرني أن أقول الحق وان كان مرّا..
وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم..
وأمرني أن أكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله].

ولقد عاش هذه الوصية, وصاغ حياته وفقها, حتى صار "ضميرا" بين قومه وأمته..

ويقول الإمام علي رضي الله عنه:
"لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر"..!!
عاش يناهض استغلال الحكم, واحتكار الثروة..
عاش يدحض الخطأ, ويبني الصواب..
عاش متبتلا لمسؤولية النصح والتحذير..
يمنعونه من الفتوى, فيزداد صوته بها ارتفاعا, ويقول لمانعيه:
" والذي نفسي بيده, لو وضعتم السيف فوق عنقي, ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تحتزوا لأنفذتها"..!!

ويا ليت المسلمين استمعوا يومئذ لقوله ونصحه..
إذن لما ماتت في مهدها تلك الفتن التي تفقم فيما بعد أمرها واستفحل خطرها, وعرّضت المجتمع والإسلام لأخطار, ما كان أقساها من أخطار.
والآن يعالج أبو ذر سكرات الموت في الربذة.. المكان الذي اختار الإقامة فيه اثر خلافه مع عثمان رضي الله عنه, فتعالوا بنا إليه نؤد للراحل العظيم تحية الوداع, ونبصر في حياته الباهرة مشهد الختام.
ان هذه السيدة السمراء الضامرة, الجالسة إلى جواره تبكي, هي زوجته..
وانه ليسألها: فيم البكاء والموت حق..؟
فتجيبه بأنها تبكي: " لأنك تموت, وليس عندي ثوب يسعك كفنا"..!!
".. لا تبكي, فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه يقول: ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض, تشهده عصابة من المؤمنين..
وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية, ولم يبق منهم غيري .. وهاأنذا بالفلاة أموت, فراقبي الطريق,, فستطلع علينا عصابة من المؤمنين, فاني والله ما كذبت ولا كذبت".
وفاضت روحه إلى الله..
ولقد صدق..
فهذه القافلة التي تغذ السير في الصحراء, تؤلف جماعة من المؤمنين, وعلى رأسهم عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله.
وان ابن مسعود ليبصر المشهد قبل أن يبلغه.. مشهد جسد ممتد يبدو كأنه جثمان ميّت, وإلى جواره سيدة وغلام يبكيان..
ويلوي زمام دابته والركب معه صوب المشهد, ولا يكاد يلقي نظرة على الجثمان, حتى تقع عيناه على وجه صاحبه وأخيه في الله والإسلام أبي ذر.
وتفيض عيناه بالدمع, ويقف على جثمانه الطاهر يقول:" صدق رسول الله.. نمشي وحدك, وتموت وحدك, وتبعث وحدك".!
ويجلس ابن مسعود رضي الله عنه لصحبه تفسير تلك العبارة التي نعاه بها:" تمشي وحدك.. وتموت حدك.. وتبعث وحدك"...

كان ذلك في غزوة تبوك.. سنة تسع من الهجرة, وقد أمر الرسول عليه السلام بالتهيؤ لملاقاة الروم, الذين شرعوا يكيدون للإسلام ويأتمرون به.
وكانت الأيام التي دعى فيها الناس للجهاد أيام عسر وقيظ..
وكانت الشقة بعيدة.. والعدو مخيفا..
ولقد تقاعس عن الخروج نفر من المسلمين, تعللوا بشتى المعاذير..
وخرج الرسول وصحبه.. وكلما أمعنوا في السير ازدادوا جهدا ومشقة, فجعل الرجل يتخلف, ويقولون يا رسول اللهتخلف فلان, فيقول:
" دعوه.
فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم..
وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه"..!!
وتلفت القوم ذات مرة, فلم يجدوا أبا ذر.. وقالوا للرسول عليه الصلاة والسلام:
لقد تخلف أبو ذر, وأبطأ به بعيره..
وأعاد الرسول مقالته الأولى..
كان بعير أبي ذر قد ضعف تحت وطأة الجوع والظمأ والحر وتعثرت من الإعياء خطاه..
وحاول أبو ذر أن يدفعه للسير الحثيث بكل حيلة وجهد, ولكن الإعياء كان يلقي ثقله على البعير..
ورأى أبو ذر أنه بهذا سيتخلف عن المسلمين وينقطع دونهم الأثر, فنزل من فوق ظهر البعير, وأخذ متاعه وحمله على ظهره ومضى ماشيا على قدميه, مهرولا, وسط صحراء ملتهبة, كما يدرك رسوله عليه السلام وصحبه..

وفي الغداة, وقد وضع المسلمون رحالهم ليستريحوا, بصر أحدهم فرأى سحابة من النقع والغبار تخفي وراءها شبح رجل يغذ السير..

وقال الذي رأى: يا رسول الله, هذا رجل يمشي على الطريق وحده..
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام:
(كن أبا ذر)..

وعادوا لما كانوا فيه من حديث, ريثما يقطع القادم المسافة التي تفصله عنهم, وعندها يعرفون من هو..

وأخذ المسافر الجليل يقترب منهم رويدا.. يقتلع خطاه من الرمل المتلظي اقتلاعا, وحمله فوق ظهره بتؤدة.. ولكنه مغتبط فرحان لأنه أردك القافلة المباركة, ولم يتخلف عن رسول الله وإخوانه المجاهدين..
وحين بلغ أول القافلة, صاح صائهحم: يارسول الله: انه والله أبا ذر..
وسار أبو ذر صوب الرسول.
ولم يكد صلى الله عليه وسلم يراه حتى تألقت على وجهه ابتسامة حانية واسية, وقال:
[يرحم الله أبا ذر..
يمشي وحده..
ويموت وحده..
ويبعث وحده..

وبعد مضي عشرين عاما على هذا اليوم أو تزيد, مات أبو ذر وحيدا, في فلاة الربذة.. بعد أن سار حياته كلها وحيدا على طريق لم يتألق فوقه سواه.. ولقد بعث في التاريخ وحيدا في عظمة زهده, وبطولة صموده..

ولسوف يبعث عند الله وحيدا كذلك؛ لأن زحام فضائله المتعددة, لن يترك بجانبه مكانا لأحد سواه..!!!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:23 am

أبو سفيان بن الحارث ( من الظلمات إلى النور )

انه أبو سفيان آخر, غير أبو سفيان بن حرب..
وان قصته, هي قصة الهدى بعد الضلال.. والحب بعد الكراهية..
والسعادة بعد الشقوة..
هي قصة رحمة الله الواسعة حين تفتح أبوابها اللاجئ ألقى نفسه بين يدي الله بعد أن أضناه طول اللغوب..!!
تصوّروا بعد عشرين عاما قضاها ابن الحارث في عداوة موصولة للإسلام..!!
عشرون عاما منذ بعث النبي عليه السلام, حتى اقترب يوم الفتح العظيم, وأبو سفيان بن الحارث يشدّ أزر قريش وحلفائها, ويهجو الرسول بشعره, ولا يكاد يتخلف عن حشد تحشده قريش لقتال..!!
وكان إخوته الثلاثة: نوفل, وربيعة, وعبدالله قد سبقوه إلى الإسلام..
وأبو سفيان هذا, ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم, إذ هو ابن الحارث بن عبدالمطلب..
ثم هو أخو النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة, إذ أرضعته حليمة السعدية مرضعة الرسول بضعة أيام..
وذات يوم نادته الأقدار لمصيره السعيد, فنادى ولده جعفرا, وقال لأهله: إنا مسافران..
إلى أين يا بن الحارث..
إلى رسول الله لنسلم معه لله رب العالمين..
ومضى يقطع الأرض بفرسه ويطويها طيّ التائبين..
وعند الأبواء أبصر مقدمة جيش لجب. وأدرك أنه الرسول قاصدا مكة لفتحها.
وفكّر ماذا يصنع..؟
إن الرسول قد أهدر دمه من طول ما حمل سيفه ولسانه ضد الإسلام, مقاتلا وهاجيا..
فإذا رآه أحد من الجيش, فسيسارع إلى القصاص منه..
وان عليه أن يحتال للأمر حتى يلقي نفسه بين يدي رسول الله أولا, وقبل أن تقع عليه عين أحد من المسلمين..
وتنكّر أبو سفيان بن الحارث حتى أخفى معالمه, وأخذ بيد ابنه جعفر, وسار مشيا على الأقدام شوطا طويلا, حتى أبصر رسول الله قادما في كوكبة من أصحابه, فتنحّى حتى نزل الركب..
وفجأة ألقى بنفسه أمام رسول الله مزيحا قناعه فعرفه الرسول, وحو ل وجهه عنه, فأتاه أبو سفيان من الناحية الأخرى, فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم.
وصاح أبو سفيان وولده جعفر:
" نشهد أن لا اله إلا الله
ونشهد أن محمدا رسول الله".
واقترب من النبي صلى الله عليه وسلم قائلا:
" لا تثريب يا رسول الله"..
وأجابه الرسول:
" لا تثريب يا أبا سفيان.
ثم أسلمه إلى علي بن أبي طالب وقال له:
" علم ابن عمّك الوضوء والسنة ورح به إلي"..
وذهب به علي ثم رجع فقال له الرسول:
" ناد في الناس أن رسول الله قد رضي عن أبي سفيان فارضوا عنه"..
لحظة زمن, يقول الله لها: كوني مباركة, فتطوي آمادا وأبعادا من الشقوة والضلال, وتفتح أبواب رحمة ما لها حدود..!!
لقد كاد أبو سفيان يسلم, بعد أن رأى في بدر وهو يقاتل مع قريش ما حيّر لبّه..
ففي تلك الغزوة تخلّف أبو لهب وأرسل مكانه العاص بن هشام..
وانتظر أبو لهب أخبار المعركة بفارغ الصبر وبدأت الأنباء تأتي حاملة هزيمة قريش المنكرة..
وذات يوم, أبو لهب مع تفر من القرشيين يجلسون عند زمزم, إذ أبصروا فارسا مقبلا فلما دنا منهم اذا هو: أبو سفيان بن الحارث.. ولم يمهله أبو لهب, فناداه:" هلمّ إلي يا بن أخي. فعندك لعمري الخبر.. حدثنا كيف كان أمر الناس"؟؟
قال أبو سفيان بن الحارث:
" والله ما هو إلا أن لقينا القوم حتى منحناهم أكتافنا, يقتلوننا كيف شاءوا, ويأسروننا كيف شاءوا..
وأيم الله ما لمت قريشا.. فلقد لقينا رجالا بيضا على خيل بلق, بين السماء والأرض, ما يشبهها شيء, ولا يقف أمامها شيء"..!!
وأبو سفيان يريد بهذا أن الملائكة كانت تقاتل مع الرسول والمسلمين..
فما باله لم يسلم يومئذ وقد رأى ما رأى..؟؟
إن الشك طريق اليقين, وبقدر ما كانت شكوك أبي الحارث عنيدة وقوية, فان يقينه يوم يجيء سيكون صلبا قويا..
ولقد جاء يوم يقينه وهداه.. وأسلم لله رب العالمين..

ومن أولى لحظات إسلامه, راح يسابق الزمان عابدا, ومجاهدا, ليمحو آثار ماضيه, وليعوّض خسائره فيه..
خرج مع الرسول فيما تلا فتح مكة من غزوات..
ويوم حنين, حيث نصب المشركون للمسلمين كمينا خطيرا, وانقضوا عليهم فجأة من حيث لا يحتسبون انقضاضا وبيلا أطار صواب الجيش المسلم, فولّى أكثر أجناده الأدبار وثبت الرسول مكانه ينادي:
" إلي أيها الناس..
أنا النبي لا كذب..
أنا ابن عبدالمطلب.."
في تلك اللحظة الرهيبة, كانت هناك قلة لم تذهب بصوابها المفاجأة
وكان منهم أبو سفيان بن الحارث وولده جعفر..
ولقد كان أبو سفيان يأخذ بلجام فرس الرسول, وحين رأى ما رأى أدرك أن فرصته التي بحث عنها قد أهلت.. تلك أن يقضي نحبه شهيدا في سبيل الله, وبين يدي الرسول..
وراح يتشبث بمقود الفرس بيسراه, ويرسل السيف في نحور المشركين بيمناه.
وعاد المسلمون إلى مكان المعركة حتى انتهت, وتملاه الرسول ثم قال:
" أخي أبو سفيان بن الحارث..؟؟"
ما كاد أبو سفيان يسمع قول الرسول " أخي"..
حتى طار فؤاده من الفرح والشرف. فأكبّ على قدمي الرسول يقبلهما, ويغسلهما بدموعه.
وتحرّكت شاعريته فراح يغبط نفسه على ما أنعم الله عليه من شجاعة وتوفيق:

لقد علمت أفنــــاء كعب وعامر غداة حنين حين عمّ التضعضع
بأني أخو الهيجاء, أركب حدّها أمام رسول الله لا أتتعتـــــــــع
رجاء ثواب الله والله راحـــــــم إليه تعالى كل أمر سيرجــــــع

وأقبل أبو سفيان بن الحارث على العبادة إقبالا عظيما, وبعد رحيل الرسول عن الدنيا, تعلقت روحه بالموت ليلحق برسول الله في الدار الآخرة, وعاش ما عاش والموت أمنية حياته..
وذات يوم شاهده الناس في البقيع يحفر لحدا, ويسويّه ويهيّئه.. فلما أبدوا دهشتهم مما يصنع قال لهم:
" إني أعدّ قبري"..
وبعد ثلاثة أيام لا غير, كان راقدا في بيته, وأهله من حوله يبكون..
وفتح عينيه عليهم في طمأنينة سابغة وقال لهم:
" لا تبكوا عليّ, فاني لم أتنظف بخطيئة منذ أسلمت"..!!
وقبل أن يحني رأسه على صدره, لوّح به إلى أعلى, ملقيا على الدنيا تحيّة الوداع..!!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:24 am

أبو عبيدة بن الجرّاح ( أمين هذه الأمة )

من هذا الذي أمسك الرسول بيمينه وقال عنه:
" إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح"..؟
من هذا الذي أرسله النبي في غزوة ذات السلاسل مددا عمرو بن العاص, وجعله أميرا على جيش فيه أبو بكر وعمر..؟؟
من هذا الصحابي الذي كان أول من لقب بأمير الأمراء..؟؟
من هذا الطويل القامة النحيف الجسم, المعروق الوجه, الخفيف اللحية, الأثرم, ساقط الثنيتين..؟؟
أجل من هذا القوي الأمين الذي قال عنه عمر بن الخطاب وهو يجود بأنفاسه:
" لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيا لاستخلفته فان سألني ربي عنه قلت: استخلفت أمين الله, وأمين رسوله"..؟؟
انه أبو عبيدة عامر بن عبد الله الجرّاح..
أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الأيام الأولى للإسلام, قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم دار الرقم, وهاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية, ثم عاد منها ليقف إلى جوار رسوله في بدر, وأحد, وبقيّة المشاهد جميعها, ثم ليواصل سيره القوي الأمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في صحبة خليفته أبي بكر, ثم في صحبة أمير المؤمنين عمر, نابذا الدنيا وراء ظهره مستقبلا تبعات دينه في زهد, وتقوى, وصمود وأمانة.

عندما بايع أبو عبيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم, على أن ينفق حياته في سبيل الله, كان مدركا تمام الإدراك ما تعنيه هذه الكلمات الثلاث, في سبيل الله وكان على أتم استعداد لأن يعطي هذا السبيل كل ما يتطلبه من بذل وتضحية..
ومنذ بسط يمينه مبايعا رسوله, وهو لا يرى في نفسه, وفي أيامه وفي حياته كلها سوى أمانة استودعها الله إياها لينفقها في سبيله وفي مرضاته, فلا يجري وراء حظ من حظوظ نفسه.. ولا تصرفه عن سبيل الله رغبة ولا رهبة..
ولما وفّى أبو عبيدة بالعهد الذي وفى به بقية الأصحاب, رأى الرسول في مسلك ضميره, ومسلك حياته ما جعله أهلا لهذا اللقب الكريم الذي أفاءه عليه,وأهداه إليه, فقال عليه الصلاة والسلام:
" أمين هذه الأمة, أبو عبيدة بن الجرّاح".

إن أمانة أبي عبيدة على مسؤولياته, لهي أبرز خصاله.. ففي غزوة أحد أحسّ من سير المعركة حرص المشركين, لا على إحراز النصر في الحرب, بل قبل ذلك ودون ذلك, على اغتيال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم, فاتفق مع نفسه على أن يظل مكانه في المعركة قريبا من مكان الرسول..
ومضى يضرب بسيفه الأمين مثله, في جيش الوثنية الذي جاء باغيا وعاديا يريد أن يطفئ نور الله..

وكلما استدرجته ضرورات القتال وظروف المعركة بعيدا عن رسول الله صلى اله عليه وسلم قاتل وعيناه لا تسيران في اتجاه ضرباته.. بل هما متجهتان دوما إلى حيث يقف الرسول صلى الله عليه وسلم ويقاتل, ترقبانه في حرص وقلق..
وكلما تراءى لأبي عبيدة خطر يقترب من النبي صلى الله عليه وسلم, انخلع من موقفه البعيد وقطع الأرض وثبا حيث يدحض أعداء الله ويردّهم على أعقابهم قبل أن ينالوا من الرسول منالا..!!
وفي إحدى جولاته تلك, وقد بلغ القتال ذروة ضراوته أحاط بأبي عبيدة طائفة من المشركين, وكانت عيناه كعادتهما تحدّقان كعيني الصقر في موقع رسول الله, وكاد أبو عبيدة يفقد صوابه إذ رأى سهما ينطلق من يد مشرك فيصيب النبي, وعمل سيفه في الذين يحيطون به وكأنه مائة سيف, حتى فرّقهم عنه, وطار صوب رسول الله فرأى الدم الزكي يسيل على وجهه, ورأى الرسول الأمين يمسح الدم بيمينه وهو يقول:
" كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم, وهو يدعهم إلى ربهم"..؟
ورأى حلقتين من حلق المغفر الذي يضعه الرسول فوق رأسه قد دخلا في وجنتي النبي, فلم يطق صبرا.. واقترب يقبض بثناياه على حلقة منهما حتى نزعها من وجنة الرسول, فسقطت ثنيّة, ثم نزع الحلقة الأخرى, فسقطت ثنيّة الثانية..
وما أجمل أن نترك الحديث لأبي بكر الصديق يصف لنا هذا المشهد بكلماته:
" لما كان يوم أحد, ورمي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر, أقبلت أسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا, فقلت: اللهم اجعله طاعة, حتى اذا توافينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإذا هو أبو عبيدة بن الجرّاح قد سبقني, فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم..
فتركته, فأخذ أبو عبيدة بثنيّة إحدى حلقتي المغفر, فنزعها, وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه..
ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنية أخرى فسقطت.. فكان أبو عبيدة في الناس أثرم."!!

وأيام اتسعت مسؤوليات الصحابة وعظمت, كان أبو عبيدة في مستواها دوما بصدقه وبأمانته..
فإذا أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخبط أميرا على ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المقاتلين وليس معهم زاد سوى جراب تمر.. والمهمة صعبة, والسفر بعيد, استقبل أبوعبيدة واجبه في تفان وغبطة, وراح هو وجنوده يقطعون الأرض, وزاد كل واحد منهم طوال اليوم حفنة تملا, حتى اذا أوشك التمر أن ينتهي, يهبط نصيب كل واحد إلى تمرة في اليوم.. حتى اذا فرغ التمر جميعا راحوا يتصيّدون الخبط, أي ورق الشجر بقسيّهم, فيسحقونه ويشربون عليه الماء.. ومن اجل هذا سميت هذه الغزوة بغزوة الخبط..
لقد مضوا لا يبالون بجوع ولا حرمان, ولا يعنيهم إلا أن ينجزوا مع أميرهم القوي الأمين المهمة الجليلة التي اختارهم رسول الله لها..!!

لقد أحب الرسول عليه الصلاة والسلام أمين الأمة أبا عبيدة كثيرا.. وآثره كثيرا...
ويوم جاء وفد نجلان من اليمن مسلمين, وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن والسنة والإسلام, قال لهم رسول الله:
" لأبعثن معكم رجلا أمينا, حق أمين, حق أمين.. حق أمين"..!!
وسمع الصحابة هذا الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فتمنى كل منهم لو يكون هو الذي يقع اختيار الرسول عليه, فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه..
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
" ما أحببت الإمارة قط, حبّي إياها يومئذ, رجاء أن أكون صاحبها, فرحت إلى الظهر مهجّرا, فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر, سلم, ثم نظر عن يمينه, وعن يساره, فجعلت أتطاول له ليراني..
فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح, فدعاه, فقال: أخرج معهم, فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه.. فذهب بها أبا عبيدة؟..!!
إن هذه الواقعة لا تعني طبعا أن أبا عبيدة كان وحده دون بقية الأصحاب موضع ثقة الرسول وتقديره..
إنما تعني أنه كان واحدا من الذين ظفروا بهذه الثقة الغالية, وهذا التقدير الكريم..
ثم كان الواحد أو الوحيد الذي تسمح ظروف العمل والدعوة يومئذ بغيابه عن المدينة, وخروجه في تلك المهمة التي تهيئه مزاياه لانجازها..
وكما عاش أبو عبيدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أمينا, عاش بعد وفاة الرسول أمينا.. بحمل مسؤولياته في أمانة تكفي أهل الأرض لو اغترفوا منها جميعا..

ولقد سار تحت راية الإسلام جنديّا, كأنه بفضله وبإقدامه الأمير.. وأميرا كأن بتواضعه وبإخلاصه واحدا من عامة المقاتلين..
وعندما كان خالد بن الوليد.. يقود جيوش الإسلام في إحدى المعارك الفاصلة الكبرى.. واستهل أمير المؤمنين عمر عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد..

لم يكد أبا عبيدة يستقبل مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد, حتى استكتمه الخبر, وكتمه هو في نفسه طاويا عليه صدر زاهد, فطن, أمين.. حتى أتمّ القائد خالد فتحه العظيم..
وآنئذ, تقدّم إليه في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين!!
ويسأله خالد:
" يرحمك الله يا أبا عبيدة ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب"..؟؟
فيجيبه أمين الأمة:
" إني كرهت أن أكسر عليك حربك, وما سلطان الدنيا نريد, ولا للدنيا نعمل, كلنا في الله إخوة".!!!

ويصبح أبا عبيدة أمير الأمراء في الشام, ويصير تحت إمرته أكثر جيوش الإسلام طولا وعرضا.. عتادا وعددا..
فما كنت تحسبه حين تراه إلا واحدا من المقاتلين.. وفردا عاديا من المسلمين..
وحين ترامى إلى سمعه أحاديث أهل الشام عنه, وانبهارهم بأمير الأمراء هذا.. جمعهم وقام فيهم خطيبا..
فانظروا ماذا قال للذين رآهم يفتنون بقوته, وعظمته, وأناته..
" يا أيها الناس..
إني مسلم من قريش..
وما منكم من أحد, أحمر, ولا أسود, يفضلني بتقوى إلا وددت أني في إهابه"..ّّ
حيّاك الله يا أبا عبيدة..
وحيّا الله دينا أنجبك ورسولا علمك..
مسلم من قريش, لا أقل ولا أكثر.
الدين: الإسلام..
والقبيلة: قريش.
هذه لا غير هويته..
أما هو كأمير الأمراء, وقائد لأكثر جيوش الإسلام عددا, وأشدّها بأسا, وأعظمها فوزا..
أما هو كحاكم لبلاد الشام,أمره مطاع ومشيئته نافذة..
كل ذلك ومثله معه, لا ينال من انتباهه لفتة, وليس له في تقديره حساب.. أي حساب..!!

ويزور أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الشام, ويسأل مستقبليه:
أين أخي..؟
فيقولون من..؟
فيجيبهم: أبو عبيدة بن الجراح.
ويأتي أبو عبيدة, فيعانقه أمير المؤمنين عمر.. ثم يصحبه إلى داره, فلا يجد فيها من الأثاث شيئا.. لا يجد إلا سيفه, وترسه ورحله..
ويسأله عمر وهو يبتسم:
" ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس"..؟
فيجيبه أبو عبيدة:
" يا أمير المؤمنين, هذا يبلّغني المقيل"..!!

وذات يوم, وأمير المؤمنين عمر الفاروق يعالج في المدينة شؤون عالمه المسلم الواسع, جاءه الناعي, أن قد مات أبو عبيدة..
وأسبل الفاروق جفنيه على عينين غصّتا بالدموع..
وغاض الدمع, ففتح عينيه في استسلام..
ورحّم على صاحبه, واستعاد ذكرياته معه رضي الله عنه في حنان صابر..
وأعاد مقالته عنه:
" لو كنت متمنيّا, ما تمنيّت إلا بيتا مملوءا برجال من أمثال أبي عبيدة"..

ومات أمين الأمة فوق الأرض التي طهرها من وثنية الفرس, واضطهاد الرومان..
هناك اليوم تحت ثرى الأردن يثوي رفات نبيل, كان مستقرا لروح خير, ونفس مطمئنة..
وسواء عليه, وعليك, أن يكون قبره اليوم معروف أو غير معروف..
فإنك اذا أردت أن تبلغه لن تكون بحاجة إلى من يقودك إليه..
ذلك أن عبير رفاته, سيدلك عليه..!!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:24 am

أبو موسى الأشعري ( الإخلاص.. وليكن ما يكون )

عندما بعثه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى البصرة, ليكون أميرها وواليها, جمع أهلها وقام فيهم خطيبا فقال:
" إن أمير المؤمنين عمر بعثني إليكم, أعلمكم كتاب ر بكم, وسنة نبيكم, وأنظف لكم طرقكم"..!!
وغشي الإنس من الدهشة والعجب ما غشيهم, فإنهم ليفهمون كيف يكون تثقيف الناس وتفقيههم في دينهم من واجبات الحاكم والأمير, أما إن يكون من واجباته تنظيف طرقاتهم, فذاك شيء جديد عليهم بل مثير وعجيب..
فمن هذا الوالي الذي قال عنه الحسن رضي الله عنه:
" ما أتى البصرة راكب خير لأهلها منه"..؟

إنه عبدالله بن قيس المكنّى بـأبي موسى الأشعري..
غادر اليمن بلده ووطنه إلى مكة فور سماعه برسول ظهر هناك يهتف بالتوحيد ويدعو إلى الله على بصيرة, ويأمر بمكارم الأخلاق..
وفي مكة, جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقى منه الهدى واليقين..
وعاد إلى بلاده يحمل كلمة الله, ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقى منه الهدى واليقين..
وعاد إلى بلاده يحمل كلمة الله, ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثر فراغه من فتح خيبر..
ووافق قدومه قدوم جعفر بن أبي طالب مقبلا مع أصحابه من الحبشة فأسهم الرسول لهم جميعا..
وفي هذه المرّة لم يأت أبو موسى الأشعري وحده, بل جاء معه بضعة وخمسون رجلا من أهل اليمن الذين لقنهم الإسلام, وأخوان شقيقان له, هم, أبو رهم, وأبو بردة..
وسمّى الرسول هذا الوفد.. بل سمّى قومهم جميعا بالأشعريين..
ونعتهم الرسول بأنهم أرق الناس أفئدة..
وكثيرا ما كان يضرب المثل الأعلى لأصحابه, فيقول فيهم وعنهم:
" إن الأشعريين اذا أرملوا في غزو, أو قلّ في أيديهم الطعام, جمعوا ما عندهم في ثوب واحد, ثم اقتسموا بالسويّة.
" فهم مني.. وإنا منهم"..!!
ومن ذلك اليوم أخذ أبو موسى مكانه الدائم والعالي بين المسلمين والمؤمنين, الذين قدّر لهم إن يكونوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلامذته, وإن يكونوا حملة الإسلام إلى الدنيا في كل عصورها ودهورها..

أبو موسى مزيج عجيب من صفات عظيمة..
فهو مقاتل جسور, ومناضل صلب اذا اضطر لقتال..
وهو مسالم طيب, وديع إلى أقصى غايات الطيبة والوداعة..!!
وهو فقيه, حصيف, ذكي يجيد تصويب فهمه إلى مغاليق الأمور, ويتألق في الإفتاء والقضاء, حتى قيل:
" قضاة هذه الأمة أربعة:
" عمر وعلي وأبو موسى وزيد بن ثابت"..!!
ثم هو مع هذا, صاحب فطرة بريئة, من خدعه في الله, انخدع له..!!
وهو عظيم الولاء والمسؤولية..
وكبير الثقة بالناس..
لو أردنا إن نختار من واقع حياته شعارا, لكانت هذه العبارة:
" الإخلاص وليكن ما يكون"..
في مواطن الجهاد, كان الأشعري يحمل مسؤولياته في استبسال مجيد مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عنه:
" سيّد الفوارس, أبو موسى"..!!
وإنه ليرينا صورة من حياته كمقاتل فيقول:
" خرجنا مع رسول الله في غزاة, نقبت فيها أقدامنا, ونقّبت قدماي, وتساقطت أظفاري, حتى لففنا أقدامنا بالخرق"..!!
وما كانت طيبته وسلامة طويته ليغريا به عدوّا في قتال..
فهو في موطن كهذا يرى الأمور في وضوح كامل, ويحسمها في عزم أكيد..

ولقد حدث والمسلمون يفتحون بلاد فارس إن هبط الأشعري بجيشه على أهل أصبهان الذين صالحوه على الجزية فصالحهم..
بيد إنهم في صلحهم ذاك لم يكونوا صادقين.. إنما أرادوا إن يهيئوا لأنفسهم الإعداد لضربة غادرة..
ولكن فطنة أبي موسى التي لا تغيب في مواطن الحاجة إليها كانت تستشف أمر أولئك وما يبيّتون.. فلما همّوا بضربتهم لم يؤخذ القائد على غرّة, وهنالك بارزهم القتال فلم ينتصف النهار حتى كان قد انتصر انتصارا باهرا..!!

وفي المعارك التي خاضها المسلمون ضدّ إمبراطورية الفرس, كان لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه, بلاؤه العظيم وجهاده الكريم..
وفي موقعة تستر بالذات, حيث انسحب الهرزمان بجيشه إليها وتحصّن بها, وجمع فيها جيوشا هائلة, كان أبو موسى بطل هذه الموقعة..
ولقد أمدّه أمير المؤمنين عمر يومئذ بأعداد هائلة من المسلمين, على رأسهم عمار بن ياسر, والبراء بن مالك, وإنس بن مالك, ومجزأة البكري وسلمة بن رجاء..
واتقى الجيشان..
جيش المسلمين بقيادة أبو موسى.. وجيش الفرس بقيادة الهرزمان في معركة من أشد المعارك ضراوة وبأسا..
وانسحب الفرس إلى داخل مدينة تستر المحصنة..
وحاصرها المسلمون أياما طويلة, حتى أعمل أبو موسى عقله وحيلته..
وأرسل مائتي فارس مع عميل فارسي, أغراه أبو موسى بأن يحتال حتى يفتح باب المدينة, أمام الطليعة التي اختارها لهذه المهمة.
ولم تكد الأبواب تفتح, وجنود الطليعة يقتحمون الحصن حتى انقض أبو موسى بجيشه انقضاضا مدمدما.
واستولى على المعقل الخطير في ساعات. واستسلم قادة الفرس, حيث بعث بهم أبو موسى إلى المدينة ليرى أمير المؤمنين فيهم رأيه..

على إن هذا المقاتل ذا المراس الشديد, لم يكن يغادر أرض المعركة حتى يتحوّل إلى أوّاب, بكّاء وديع كالعصفور...
يقرأ القرآن بصوت يهز أعماق من سمعه.. حتى لقد قال عنه الرسول:
" لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود"..!
كان عمر رضي الله عنه كلما رآه دعاه ليتلو عليه من كتاب الله.. قائلا له:
" شوّقنا إلى ربنا يا أبا موسى"..
كذلك لم يكن يشترك في قتال إلا إن يكون ضد جيوش مشركة, جيوش تقاوم الدين وتريد أن تطفئ نور الله..
أما حين يكون القتال بين مسلم ومسلم, فإنه يهرب منه ولا يكون له دور أبدا.
ولقد كان موقفه هذا واضحا في نزاع عليّ ومعاوية, وفي الحرب التي استعر بين المسلمين يومئذ أوراها.
ولعل هذه النقطة من الحديث تصلنا بأكثر مواقف حياته شهرة, وهو موقفه من التحكيم بين الإمام علي ومعاوية.
هذا الموقف الذي كثيرا ما يؤخذ آية وشاهدا على إفراط أبي موسى في الطيبة إلى حد يسهل خداعه.
بيد إن الموقف كما سنراه, وبرغم ما عسى إن يكون فيه تسرّع أو خطأ, إنما يكشف عن عظمة هذا الصحابي الجليل, عظمة نفسه, وعظمة إيمانه بالحق, وبالناس, إن رأى أبي موسى في قضية التحكيم يتلخص في إنه وقد رأى المسلمين يقتل بعضهم بعضا, كل فريق يتعصب لإمام وحاكم.. كما رأى الموقف بين المقاتلين قد بلغ في تأزمه واستحالة تصفيته المدى الذي يضع مصير الأمة المسلمة كلها على حافة الهاوية.
نقول: إن رأيه وقد بلغت الحال من السوء هذا المبلغ, كان يتلخص في تغيير الموقف كله والبدء من جديد.
إن الحرب الأهلية القائمة يوم ذاك إنما تدور بين طائفتين من المسلمين تتنازعان حول شخص الحاكم, فليتنازل الإمام علي عن الخلافة مؤقتا, وليتنازل عنها معاوية, على أن يرد الأمر كله من جديد إلى المسلمين يختارون بطريق الشورى الخليفة الذي يريدون.
هكذا ناقش أبو موسى القضية, وهكذا كان حله.
صحيح إن عليّا بويع بالخلافة بيعة صحيحة.
وصحيح إن كل تمرد غير مشروع لا ينبغي إن يمكّن من غرضه في إسقاط الحق المشروع. بيد إن الأمور في النزاع بين الإمام ومعاوية وبين أهل العراق وأهل الشام, في رأي أبي موسى, قد بلغت المدى الذي يفرض نوعا جديدا من التفكير والحلول.. فعصيان معاوية, لم يعد مجرّد عصيان.. وتمرّد أهل الشام لم يعد مجرد تمرد.. والخلاف كله يعود مجرد خلاف في الرأي ولا في الاختيار..
بل إن ذلك كله تطوّر إلى حرب أهلية ضارية ذهب ضحيتها آلاف القتلى من الفريقين.. ولا تزال تهدد الإسلام والمسلمين بأسوأ العواقب.
فإزاحة أسباب النزاع والحرب, وتنحية أطرافه, مثّلا في تفكير أبي موسى نقطة البدء في طريق الخلاص..
ولقد كان من رأي الإمام علي حينما قبل مبدأ التحكيم, أن يمثل جبهته في التحكيم عبدالله بن عباس, أو غيره من الصحابة. لكن فريقا كبيرا من ذوي البأس في جماعته وجيشه فرضا عليه أبا موسى الأشعري فرضا.
وكانت حجتهم في اختيار أبا موسى أنه لم يشترك قط في النزاع بين علي ومعاوية, بل اعتزل كلا الفريقين بعد أن يئس من حملهما على التفاهم والصلح ونبذ القتال. فهو بهذه المثابة أحق الناس بالتحكيم..
ولم يكن في دين أبي موسى, ولا في إخلاصه وصدقه ما يريب الإمام.. لكنه كان يدرك نوايا الجانب الآخر ويعرف مدى اعتمادهم على المناورة والخدعة. وأبو موسى برغم فقهه وعلمه يكره الخداع والمناورة, ويحب إن يتعامل مع الناس بصدقه لا بذكائه. ومن ثم خشي الإمام علي إن ينخدع أبو موسى للآخرين, ويتحول التحكيم إلى مناورة من جانب واحد, تزيد الأمور سوءا...

بدأ التحيكم بين الفريقين..
أبو موسى الأشعري يمثل جبهة الإمام علي..
وعمرو بن العاص, يمثل جانب معاوية.
والحق إن عمرو بن العاص اعتمد على ذكائه الحاد وحيلته الواسعة في أخذ الراية لمعاوية.
ولقد بدأ الاجتماع بين الرجلين, الأشعري, وعمرو باقتراح طرحه أبو موسى وهو إن يتفق الحكمان على ترشيح عبدالله بن عمر بل وعلى إعلانه خليفة للمسلمين, وذلك لما كان ينعم به عبدالله بن عمر من إجماع رائع على حبه وتوقيره وإجلاله.
ورأى عمرو بن العاص في هذا الاتجاه من أبي موسى فرصة هائلة فانتهزها..
إن مغزى اقتراح أبي موسى, إنه لم يعد مرتبطا بالطرف الذي يمثله وهو الإمام علي..
ومعناه أيضا إنه مستعد لإسناد الخلافة إلى آخرين من أصحاب الرسول بدليل إنه اقترح عبدالله بن عم..
وهكذا عثر عمرو بدهائه على مدخل فسيح إلى غايته, فراح يقترح معاوية.. ثم اقترح ابنه عبدالله بن عمرو وكان ذا مكانة عظيمة بين أصحاب رسول الله.
ولك يغب ذكاء أبي موسى أمام دهاء عمرو.. فإنه لم يكد يرى عمرا يتخذ مبدأ الترشيح قاعدة الترشيح للحديث والتحكيم حتى لوى الزمام إلى وجهة أسلم, فجابه عمرا بأن اختيار الخليفة حق للمسلمين جميعا, وقد جعل الله أمرهم شورى بينهم, فيجب إن يترك الأمر لهم وحدهم وجميعهم لهم الحق في هذا الاختيار..
وسوف نرى كيف استغل عمرو هذا المبدأ الجلي لصالح معاوية..
ولكن قبل ذلك لنقرأ نص الحوار التاريخي الذي دار بين أبي موسى وعمرو بن العاص في بدء اجتماعهما:
أبو موسى: يا عمرو, هل لك في صلاح الأمة ورضا الله..؟
عمرو: وما هو..؟
أبو موسى: نولي عبدالله بن عمر, فإنه لم يدخل نفسه في شيء من هذه الحرب.
عمرو: وأين أنت من معاوية..؟
أبو موسى: ما معاوية بموضع لها ولا يستحقها.
عمرو: ألست تعلم إن عثمان قتل مظلوما..؟
أبو موسى: بلى..
عمرو: فإن معاوية وليّ دم عثمان, وبيته في قريش ما قد علمت. فإن قال الناس لم أولي الأمر ولست سابقة؟ فإن لك في ذلك عذرا. تقول: إني وجدته ولي عثمان, والله تعالى يقول: ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا).. وهو مع هذا, اخو أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم, وهو أحد أصحابه..
أبو موسى: اتق الله يا عمرو..
أمّا ما ذكرت من شرف معاوية, فلو كانت الخلافة تستحق بالشرف لكان أحق الناس بها أبرهة بن الصبّاح فإنه من أبناء ملوك اليمن التباعية الذين ملكوا شرق الأرض ومغربها.. ثم أي شرف لمعاوية مع علي بن أبي طالب..؟؟
وأما قولك: إن معاوية ولي عثمان, فأولى منه عمرو بن عثمان..
ولكن إن طاوعتني أحيينا سنة عمر بن الخطاب وذكره, بتوليتنا ابنه عبدالله الحبر..
عمرو: فما يمنعك من ابني عبدالله مع فضله وصلاحه وقديم هجرته وصحبته..؟
أبو موسى: إن ابنك رجل صدق, ولكنك قد غمسته في هذه الحروب غمسا, فهلم نجعلها للطيّب بن الطيّب.. عبدالله بن عمر..
عمرو: يا أبا موسى, إنه لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل له ضرسان يأكل بأحدهما, ويطعم بالآخر..!!
أبو موسى: ويحك يا عمرو.. إن المسلمين قد أسندوا إلينا الأمر بعد إن تقارعوا السيوف, وتشاكوا بالرماح, فلا نردهم في فتنة.
عمرو: فماذا ترى..؟أبو موسى: أرى إن نخلع الرجلين, عليّا ومعاوية, ثم نجعلها شورى بين المسلمين, يختارون لأنفسهم من يحبوا..
عمرو: رضيت بهذا الرأي فإن صلاح النفوس فيه..
إن هذا الحوار يغير تماما وجه الصورة التي تعوّدنا إن نرى بها أبا موسى الأشعري كلما ذكرنا واقعة التحكيم هذه..
إن أبا موسى كان أبعد ما يكون عن الغفلة..
بل إنه في حواره هذا كان ذكاؤه أكثر حركة من ذكاء عمرو بن العاص المشهور بالذكاء والدهاء..
فعندما أراد عمرو إن يجرّع أبا موسى خلافة معاوية بحجة حسبه في قريش, وولايته لدم عثمان, جاء رد أبي موسى حاسما لامعا كحد السيف..
اذا كانت الخلافة بالشرف, فأبرهة بن الصباح سليل الملوك أولى بها من معاوية..
وإذا كانت بدم عثمان والدفاع عن حقه, فابن عثمان رضي الله عنه, أولى بهذه الولاية من معاوية..

لقد سارت قضية التحكيم بعد هذا الحوار في طريق يتحمّل مسؤوليتها عمرو بن العاص وحده..
فقد أبرأ أبو موسى ذمته بردّ الأمر إلى الأمة, تقول كلمتها وتختار خليفتها..
ووافق عمرو والتزم بهذا الرأي..
ولم يكن يخطر ببال أبي موسى إن عمرو في هذا الموقف الذي يهدد الإسلام والمسلمين بشر بكارثة, سيلجأ إلى المناورة, هما يكن اقتناعه بمعاوية..
ولقد حذره ابن عباس حين رجع إليهم يخبرهم بما تم الاتفاق عليه..
حذره من مناورات عمرو وقال له:
" أخشى والله إن يكون عمرو قد خدعك, فإن كنتما قد اتفقتما على شيء فقدمه قبلك ليتكلم, ثم تكلم أنت بعده"..!
لكن أبا موسى كان يرى الموقف أكبر وأجل من إن يناور فيه عمرو, ومن ثم لم يخالجه أي ريب أوشك في التزام عمرو بما اتفقنا عليه..
واجتمعا في اليوم التالي.. أبو موسى ممثلا لجبهة الإمام علي, وعمرو بن العاص ممثلا لجبهة معاوية..
ودعا أبو موسى عمرا ليتحدث.. فأبى عمرو وقال له:

" ما كنت لأتقدمك وأنت أكثر مني فضلا.. وأقدم هجرة.. وأكبر سنا"..!!
وتقد أبو موسى واستقبل الحشود الرابضة من كلا الفريقين.
وقال:
" أيها الناس.. إنا قد نظن فيما يجمع الله به ألفة هذه الأمة, ويصلح أمرها, فلم نر شيئا أبلغ من خلع الرجلين علي ومعاوية, وجعلها شورى يختار الناس لأنفسهم من يرونه لها..
وإني قد خلعت عليا ومعاوية..
فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من أحببتم"...
وجاء دور عمرو بن العاص ليعلن خلع معاوية, كما خلع أبو موسى عليا, تنفيذا للاتفاق المبرم بالأمس...
وصعد عمرو المنبر, وقال:
" أيها الناس, إن أبا موسى قد قال كما سمعتم وخلع صاحبه,
ألا وإني قد خلعت صاحبه كما خلعه, وأثبت صاحبي معاوية, فإنه ولي أمير المؤمنين عثمان والمطالب بدمه, وأحق الناس بمقامه.."!!
ولم يحتمل أبو موسى وقع المفاجأة, فلفح عمرا بكلمات غاضبة ثائرة..
وعاد من جديد إلى عزلته, وأغذّ خطاه إلى مكة.. إلى جوار البيت الحرام, يقضي هناك ما بقي له من عمر وأيام..
كان أبو موسى رضي الله عنه موضع ثقة الرسول وحبه, وموضع ثقة خلفائه وأصحابه وحبهم...
ففي حياته عليه الصلاة والسلام ولاه مع معاذ بن جبل أمر اليمن..
وبعد وفاة الرسول عاد إلى المدينة ليجمل مسؤولياته في الجهاد الكبير الذي خاضته جيوش الإسلام ضد فارس والروم..
وفي عهد عمر ولاه أمير المؤمنين البصرة..
وولاه الخليفة عثمان الكوفة..

وكان من أهل القرآن, حفظا, وفقها, وعملا..
ومن كلماته المضيئة عن القرآن:
" اتبعوا القرآن..
ولا تطمعوا في إن يتبعكم القرآن"..!!
وكان من أهل العبادة المثابرين..
وفي الأيام القائظة التي يكاد حرّها يزهق الأنفاس, كنت تجد أبا موسى يلقاها لقاء مشتاق ليصومها ويقول:
" لعل ظمأ الهواجر يكون لنا ريّا يوم القيامة"..

وذات يوم رطيب جاءه أجله..
وكست محيّاه إشراقة من يرجو رحمة الله وحسن ثوابه.
والكلمات التي كان يرددها دائما طوال حياته المؤمنة, راح لسانه الآن وهو في لحظات الرحيل يرددها:
تلك هي:
" اللهم أنت السلام..ومنك السلام"...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:25 am

أبو هريرة ( ذاكرة عصر الوحي )

صحيح إن ذكاء المرء محسوب عليه..
وأصحاب المواهب الخارقة كثيرا ما يدفعون الثمن في نفس الوقت الذي كان ينبغي إن يتلقوا فيه الجزاء والشكران..!!
والصحابي الجليل أبو هريرة واحد من هؤلاء..
فقد كان ذا موهبة خارقة في سعة الذاكرة وقوتها..
كان رضي الله عنه يجيد فنّ الإصغاء, وكانت ذاكرته تجيد فن الحفظ والاختزان..
يسمع فيعي, فيحفظ, ثم لا يكاد ينسى مما وعى كلمة ولا حرفا مهما تطاول العمر, وتعاقبت الأيام..!!
من أجل هذا هيأته موهبته ليكون أكثر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حفظا لأحاديثه, وبالتالي أكثرهم رواية لها.

فلما جاء عصر الوضّاعين الذين تخصصوا في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم, اتخذوا أبا هريرة غرضا مستغلين أسوأ استغلال سمعته العريضة في الرواية عن رسول الله عليه السلام موضع الارتياب والتساؤل. لولا تلك الجهود البارة والخارقة التي بذلها أبرار كبار نذور حياتهم وكرّسوها لخدمة الحديث النبوي ونفي كل زيف ودخيل عنه.
هنالك نجا أبو هريرة رضي الله عنه من إخطبوط الأكاذيب والتلفيقات التي أراد المفسدون إن يتسللوا بها إلى الإسلام عن طريقه, وإن يحمّلوه وزرها وإذاها..!!

والآن.. عندما نسمع واعظا, أو محاضرا, أو خطيب جمعة يقول تلك العبارة المأثورة:" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم..".
أقول: عندما تسمع هذا الاسم على هذه الصورة, أ, عندما تلقاه كثيرا, وكثيرا جدّا في كتب الحديث, والسيرة والفقه والدين بصفة عامة, فاعلم إنك تلقى شخصية من أكثر شخصيات الصحابة إغراء بالصحبة والإصغاء..
ذلك إن ثروته من الأحاديث الرائعة, والتوجيهات الحكيمة التي حفظها عن النبي عليه السلام, قلّ إن يوجد لها نظير..
وإنه رضي الله عنه بما يملك من هذه الموهبة, وهذه الثروة, لمن أكثر الأصحاب مقدرة على نقلك إلى تلك الأيام التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم, وإلى التحليق بك, إذا كنت وثيق الإيمان مرهف النفس, في تلك الآفاق التي شهدت روائع محمد وأصحابه, تعطي الحياة معناها, وتهدي إليها رشدها ونهاها.
وإذا كانت هذه السطور قد حرّكت أشواقك لأن تتعرّف لأبي هريرة وتسمع من أنبائه نبأ, فدونك الآن وما تريد..
إنه واحد من الذين تنعكس عليهم ثروة الإسلام بكل ما أحدثته من تغيرات هائلة.
فمن أجير إلى سيّد..
ومن تائه في الزحام, إلى علم وإمام..!!
ومن ساجد أمام حجارة مركومة, إلى مؤمن بالله الواحد القهار..
وهاهو ذا يتحدّث ويقول:
" نشأت يتيما, وهاجرت مسكينا.. وكنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني..!!
كنت أخدمهم إذا نزلوا, وأحدو لهم إذا ركبوا..
وهأنذا وقد زوّجنيها الله, فالحمد لله الذي جعل الدين قواما, وجعل أبا هريرة إماما"..!
قدم على النبي عليه الصلاة والسلام سنة سبع وهو بخيبر, فأسلم راغبا مشتاقا..
ومنذ رأى النبي عليه الصلاة والسلام وبايعه لم يكد يفارقه قط إلا في ساعات النوم..
وهكذا كانت السنوات الأربع التي عاشها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلم إلى إن ذهب النبي إلى الرفيق الأعلى.
نقول: كانت تلك السنوات الأربع عمرا وحدها.. كانت طويلة عريضة, ممتلئة بكل صالح من القول, والعمل, والإصغاء.

أدرك أبو هريرة بفطرته السديدة الدور الكبير الذي يستطيع إن يخدم به دين الله.
إن أبطال الحرب في الصحابة كثيرون..
والفقهاء والدعاة والمعلمون كثيرون.
ولكن البيئة والجماعة تفتقد الكتابة والكتّاب.
ففي تلك العصور, وكانت الجماعة الإنسانية كلها, لا العرب وحدهم, لا يهتمون بالكتابة, ولم تكن الكتابة من علامات التقدم في مجتمع ما..
بل إن أوروبا نفسها كانت كذلك منذ عهد غير بعيد.
وكان أكثر ملوكها وعلى رأسهم شارلمان أميّين لا يقرؤون ولا يكتبون, مع إنهم في نفس الوقت كانوا على حظ كبير من الذكاء والمقدرة..

نعود إلى حديثنا لنرى أبا هريرة يدرك بفطرته حاجة المجتمع الجديد الذي يبنيه الإسلام إلى من يحفظن تراثه وتعاليمه, كان هناك يومئذ من الصحابة كتّاب يكتبون ولكنهم قليلون, ثم إن بعضهم لا يملك من الفراغ ما يمكّنه من تسجيل كل ما ينطق به الرسول من حديث.
لم يكن أبا هريرة كاتبا, ولكنه كان حافظا, وكان يملك هذا الفراغ, أو هذا الفراغ المنشود, فليس له أرض يزرعها ولا تجارة يتبعها!!
وهو إذا رأى نفسه وقد أسلم متأخرا, عزم على إن يعوّض ما فاته, وذلك بأن يواظب على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى مجالسته..
ثم إنه يعرف من نفسه هذه الموهبة التي أنعم الله بها عليه, وهي ذاكرته الرحبة القوية, والتي زادت مضاء ورحابة وقوة, بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لصاحبها إن يبارك الله له فيها..
فلماذا إذن لا يكون واحدا من الذين يأخذون على عاتقهم حفظ هذا التراث ونقله للأجيال..؟؟
أجل.. هذا دوره الذي تهيئه للقيام به مواهبه, وعليه إن يقوم به في غير توان..

ولم يكن أبو هريرة ممن يكتبون, ولكنه كان كما ذكرنا سريع الحفظ قوي الذاكرة..
ولم تكن له أرض يزرعها, ولا تجارة تشغله, ومن ثمّ لم يكن يفارق الرسول في سفر ولا في حضر..
وهكذا راح يكرّس نفسه ودقة ذاكرته لحفظ أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام وتوجيهاته..
فلما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى, راح أبو هريرة يحدث, مما جعل بعض أصحابه يعجبون: إني له كل هذه الأحاديث, ومتى سمعها ووعاها..
ولقد ألقى أبوهريرة رضي الله عنه الضوء على هذه الظاهرة, وكأنه يدفع عن نفسه مغبة تلك الشكوك التي ساورت بعض أصحابه فقال:
" إنكم لتقولون أكثر أبو هريرة في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم..
وتقولون: إن المهاجرين الذين سبقوه إلى الإسلام لا يحدثون هذه الأحاديث..؟؟
ألا إن أصحابي من المهاجرين, كانت تشغلهم صفقاتهم بالسوق, وإن أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم..
وإني كنت أميرا مسكينا, أكثر مجالسة رسول الله, فأحضر إذا غابوا, وأحفظ إذا نسوا..
وإن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا يوما فقال: من يبسط رداءه حتى يفرغ من حديثي ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئا كان قد سمعه مني..! فبسطت ثوبي فحدثني ثم ضممته إليّ فوالله ما كنت نسيت شيئا سمعته منه..
وأيم والله, لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدا, وهي:
( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب, أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)..".

هكذا يفسر أبو هريرة سر تفرّده بكثرة الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
فهو أولا كان متفرغا لصحبة النبي أكثر من غيره..
وهو ثانيا كان يحمل ذاكرة قوية, باركها الرسول فزادت قوة..
وهو ثالثا لا يحدّث رغبة في إن يحدّث, بل لأن إفشاء هذه الأحاديث مسؤولية دينه وحياته, وإلا كان كاتما للخير والحق, وكان مفرطا ينتظره جزاء المفرّطين..
من أجل هذا راح يحدّث ويحدّث, لا يصدّه عن الحديث صادّ, ولا يعوقه عائق.. حتى قال له عمر يوما وهو أمير المؤمنين:
" لتتركنّ الحديث عن رسول الله,أو لألحقنك بأرض دوس"..
أي أرض قومه وأهله..
على إن هذا النهي من أمير المؤمنين لا يشكل اتهاما لأبي هريرة, بل هو دعم لنظرية كان عمر يتبنّاها ويؤكدها, تلك هي: إن على المسلمين في تلك الفترة بالذات ألا يقرؤوا, وألا يحفظوا شيئا سوى القرآن حتى يقرّ وثبت في الأفئدة والعقول..
فالقرآن كتاب الله, ودستور الإسلام, وقاموس الدين, وكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لا سيما في تلك التي أعقبت وفاته عليه الصلاة والسلام, والتي يجمع القرآن خلالها قد تسبب بلبلة لا داعي لها ولا جدوى منها..
من أجل هذا كان عمر يقول:
" اشتغلوا بالقرآن, فإن القرآن كلام الله"..
ويقول:
" أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل به"..
وحين أرسل أبو موسى الأشعري إلى العراق قال له:
" إنك تأتي قوما لهم في مساجدهم دويّ القرآن كدويّ النحل, فدعهم على ما هم عليه, ولا تشغلهم بالحديث, وإنا شريكك في ذلك"..
كان القرآن قد جمع بطريقة مضمونة دون إن يتسرب إليه ما ليس منه..
أما الأحاديث فليس يضمن عمر إن تحرّف أو تزوّر, أو تخذ سبيل للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم, والنيل من الإسلام..
وكان أبو هريرة يقدّر وجهة نظر عمر, ولكنه أيضا كان واثقا من نفسه ومن أمانته, وكان لا يريد إن يكتم من الحديث والعلم ما يعتقد إن كتمانه إثم وبوار.
وهكذا.. لم يكن يجد فرصة لإفراغ ما في صدره من حديث سمعه ووعاه إلا حدّث وقال..

على إن هناك سببا هامّا, كان له دور في إثارة المتاعب حول أبي هريرة لكثرة تحدثه وحديثه.
ذلك إنه كان هناك يومئذ محدّث آخر يحدّث عن الرسول صلى الله عليه وسلم ويكثر ويسرف, ولم يكن المسلمون الأصحاب يطمئنون كثيرا لأحاديثه ذلكم هو كعب الأحبار الذي كان يهوديا وأسلم.

أراد مروان بن الحكم يوما أن يبلوا مقدرة أبي هريرة على الحفظ, فدعاه إليه وأجلسه معه, وطلب منه إن يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, في حين أجلس كاتبه وراء حجاب, وأمره إن يكتب كل ما يقول أبو هريرة..
وبعد مرور عام, دعاه مروان بن الحكم مرة أخرى, أخذ يستقرئه نفس الأحاديث التي كان كاتبه قد سطرها, فما نسي أبو هريرة كلمة منها!!
وكان يقول عن نفسه:
" ما من أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثا عنه مني, إلا ما كان من عبدالله بن عمرو بن العاص, فإنه كان يكتب, ولا أكتب"..
وقال عنه الإمام الشافعي أيضا:
" أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره".
وقال البخاري رضي الله عنه:
" روي عن أبو هريرة مدرسة كبيرة يكتب لها البقاء والخلود..
وكان أبو هريرة رضي الله عنه من العابدين الأوّابين, يتناوب مع زوجته وابنته قيام الليل كله.. فيقوم هو ثلثه, وتقوم زوجته ثلثه, وتقوم ابنته ثلثه. وهكذا لا تمر من الليل ساعة إلا وفي بيت أبي هريرة عبادة وذكر وصلاة!!
وفي سبيل إن يتفرّغ لصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عانى من قسوة الجوع ما لم يعاني مثله أحد..
وإنه ليحدثنا: كيف كان الجوع يعض أمعاءه فيشدّ على بطنه حجرا ويعتصر كبده بيديه, ويسقط في المسجد وهو يتلوى حتى يظن بعض أصحابه إن به صرعا وما هو بمصروع..!
ولما أسلم لم يكن يئوده ويضنيه من مشاكل حياته سوى مشكلة واحدة لم يكن رقأ له بسببها جفن..
كانت هذه المشكلة أمه: فإنها يومئذ رفضت أن تسلم..
ليس ذلك وحسب, بل كانت تؤذي ابنها في رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذكره بسوء..
وذات يوم أسمعت أبا هريرة في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكره, فانفضّ عنها باكيا محزونا, وذهب إلى مسجد الرسول..

ولنصغ إليه وهو يروي لنا بقيّة النبأ:
".. فجئت إلى رسول الله وإنا أبكي, فقلت: يا رسول الله, كنت أدعو أم أبي هريرة إلى الإسلام فتأبى علي, وإني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره, فادع الله إن يهدي أم أبا هريرةإلى الإسلام..
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد أم أبي هريرة..
فخرجت أعدو أبشرها بدعاء رسول الله, فلما أتيت الباب إذا هو مجاف, أي مغلق, وسمعت خضخضة ماء, ونادتني يا أبا هريرة مكانك..
ثم لبست درعها, وعجلت عن خمارها وخرجت وهي تقول: أشهد إن لا اله إلا الله, وأِهد إن محمدا عبده ورسوله..
فجئت أسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي من الفرح, كما بكيت من الحزن, وقلت: أبشر يا رسول الله, فقد أجاب الله دعوتك..
قد هدى أم أبي هريرة إلى الإسلام..
ثم قلت يا رسول الله: ادع الله إن يحبّبني وأمي إلى المؤمنين والمؤمنات..
فقال: اللهم حبّب عبيدك هذا وأمه إلى كل مؤمن ومؤمنة"..

وعاش أبو هريرة عابدا, ومجاهدا.. لا يتخلف عن غزوة ولا عن طاعة.
وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولاه إمارة البحرين.
وعمر كما نعلم شديد المحاسبة لولاته.
إذا ولّى أحدهم وهو يملك ثوبين, فيجب إن يترك الولاية وهو لا يملك من دنياه سوى ثوبيه.. ويكون من الأفضل إن يتركها وله ثوب واحد..!!!
أما إذا خرج من الولاية وقد ظهرت عليه أعراض الثراء, فإنه يومئذ لا يفلت من حساب عمر, مهما يكن مصدر ثرائه حلالا مشروعا!

دنيا أخرى.. ملاها عمر روعة وإعجازا..!!
وحين وليّ أبو هريرة البحرين ادّخر مالا, من مصادره الحلال, وعلم عمر فدعاه إلى المدينة..

ولندع أبو هريرة يروي لنا ما حدث بينهما من حوار سريع:
" قال لي عمر:
يا عدو الله وعدو كتابه, أسرقت مال الله..؟؟
قلت:
ما إنا بعدو لله ولا عدو لكتابه,.. لكني عدو من عاداهما..
ولا إنا من يسرق مال الله..!
قال:
فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف..؟؟
قلت:
خيل لي تناسلت, وعطايا تلاحقت..
قال عمر: فادفعها إلى بيت مال المسلمين"..!!
ودفع أبو هريرة المال إلى عمر ثم رفع يديه إلى السماء وقال:
اللهم اغفر لأمير المؤمنين"..

وبعد حين دعا عمر أبا هريرة, وعرض عليه الولاية من حديد, فأباها واعتذر عنها..
قال له عمر: ولماذا؟
قال أبو هريرة:
حتى لا يشتم عرضي, ويؤخذ مالي, ويضرب ظهري..
ثم قال:
وأخاف إن أقضي بغير علم
وأقول بغير حلم..

وذات يوم اشتد شوقه إلى لقاء الله..
وبينما كان عوّاده يدعون له بالشفاء من مرضه, كان هو يلحّ على الله قائلا:
" اللهم إني أحب لقاءك, فأحب لقائي"..
وعن ثماني وسبعين سنة مات في العام التاسع والخمسين للهجرة.
وبين ساكني البقيع الأبرار يتبوأ جثمانه الوديع مكانا مباركا..
وبينما كان مشيعوه عائدين من جنازته, كانت ألسنتهم ترتل الكثير من الأحاديث التي حفظها لهم عن رسولهم الكريم.
ولعل واحدا من المسلمين الجدد كان يميل على صاحبه ويسأله:
لماذا كنّى شيخنا الراحل بأبي هريرة..؟؟

فيجيبه صاحبه وهو الخبير بالأمر:
لقد كان اسمه في الجاهلية عبد شمس, ولما أسلك سمّاه الرسول عبدالرحمن.. ولقد كان عطوفا على الحيوان, وكانت له هرة, يطعمها, ويحملها, وينظفها, ويؤويها.. وكانت تلازمه كظله..
وهكذا دعي: أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه..


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:27 am

أبوالدرداء ( أيّ حكيم كان )

بينما كانت جيوش الإسلام تضرب في مناكب الأرض.. هادر ظافرة.. كان يقيم بالمدينة فيلسوف عجيب.. وحكيم تتفجر الحكمة من جوانبه في كلمات تناهت نضرة وبهاء...وكان لا يفتأ يقول لمن حوله:
" ألا أخبركم بخير أعمالكم, وأزكاها عند باريكم, وأنماها في درجاتكم, وخير من أن تغزو عدوّكم, فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم, وخير من الدراهم والدنانير".؟؟
وتشرئب أعناق الذين ينصتون له.. ويسارعون بسؤاله:
" أي شيء هو.. يا أبا الدرداء"..؟؟
ويستأنف أبو الدرداء حديثه فيقول ووجهه يتألق تحت أضوء الإيمان والحكمة:
" ذكر الله...
ولذكر الله أكبر"..

لم يكن هذا الحكيم العجيب يبشر بفلسفة انعزالية ولم يكن بكلماته هذه يبشر بالسلبية, ولا بالانسحاب من تبعات الدين الجديد.. تلك التبعات التي يأخذ الجهاد مكان الصدارة منها...
أجل.. ما كان أبو الدرداء ذلك الرجل, وهو الذي حمل سيفه مجاهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلم, حتى جاء نصر الله والفتح..
بيد أنه كان من ذلك الطراز الذي يجد نفسه في وجودها الممتلئ الحيّ, كلما خلا إلى التأمل, وأوى إلى محراب الحكمة, ونذر حياته لنشدان الحقيقة واليقين..؟؟
ولقد كان حكيم تلك الأيام العظيمة أبو الدرداء رضي الله عنه إنسانا يتملكه شوق عارم إلى رؤية الحقيقة واللقاء بها..

وإذ قد آمن بالله وبرسوله إيمانا وثيقا, فقد آمن كذلك بأن هذا الإيمان بما يمليه من واجبات وفهم, هو طريقه الأمثل والأوحد إلى الحقيقة..
وهكذا عكف على إيمانه مسلما إلى نفسه, وعلى حياته يصوغها وفق هذا الإيمان في عزم, ورشد, وعظمة..
ومضى على الدرب حتى وصل.. وعلى الطريق حتى بلغ مستوى الصدق الوثيق.. وحتى كان يأخذ مكانه العالي مع الصادقين تماما حين يناجي ربه مرتلا آته..
( إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العلمين).
أجل.. لقد انتهى جهاد أبي الدرداء ضدّ نفسه, ومع نفسه إلى تلك الذروة العالية.. إلى ذلك التفوق البعيد.. إلى ذلك التفاني الرهباني, الذي جعل حياته, كل حياته لله رب العالمين..!!

والآن تعالوا نقترب من الحكيم والقدّيس.. ألا تبصرون الضياء الذي يتلألأ حول جبينه..؟
ألا تشمّون العبير الفوّاح القادم من ناحيته..؟؟
انه ضياء الحكمة, وعبير الإيمان..
ولقد التقى الإيمان والحكمة في هذا الرجل الأوّاب لقاء سعيدا, أيّ سعيد..!!
سئلت أمه عن أفضل ما كان يحب من عمل.. فأجابت:
" التفكر والاعتبار".
أجل لقد وعى قول الله في أكثر من آية:
(فاعتبروا يا أولي الأبصار)...
وكان هو يحضّ إخوانه على التأمل والتفكّر يقول لهم:
" تفكّر ساعة خير من عبادة ليلة"..
لقد استولت العبادة والتأمل ونشدان الحقيقة على كل نفسه.. وكل حياته..

ويوم اقتنع بالإسلام دينا, وبايع الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الدين الكريم, كان تاجرا ناجحا من تجار المدينة النابهين, وكان قد قضى شطر حياته في التجارة قبل أن يسلم, بل وقبل أن يأتي الرسول والمسلمون المدينة مهاجرين..
بيد أنه لم يمض على إسلامه غير وقت وجيز حتى..
ولكن لندعه هو يكمل لنا الحديث:
" أسلمت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنا تاجر..
وأردت أن تجتمع لي العبادة والتجارة فلم يجتمعا..
فرفضت التجارة وأقبلت على العبادة.
وما يسرّني اليوم أن أبيع وأشتري فأربح كل يوم ثلاثمائة دينار, حتى لو يكون حانوتي على باب المسجد..
ألا إني لا أقول لكم: إن الله حرّم البيع..
ولكني أحبّ أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله"..!!

أرأيتم كيف يتكلّم فيوفي القضيّة حقها, وتشرق الحكمة والصدق من خلال كلماته..؟؟
انه يسارع قبل أن نسأله: وهل حرّم الله التجارة يا أبا الدرداء...؟؟
يسارع فينفض عن خواطرنا هذا التساؤل, ويشير إلى الهدف الأسمى الذي كان ينشده, ومن أجله ترك التجارة برغم نجاحه فيها..
لقد كان رجلا ينشد تخصصا روحيا وتفوقا يرنو إلى أقصى درجات الكمال الميسور لبني الإنسان..

لقد أراد العبادة كمعراج يرفعه إلى عالم الخير الأسمى, ويشارف به الحق في جلاله, والحقيقة في مشرقها, ولو أرادها مجرّد تكاليف تؤدّى, ومحظورات تترك, لاستطاع أن يجمع بينها وبين تجارته وأعماله...
فكم من تجار صالحين.. وكم من صالحين تجار...

ولقد كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم تلههم تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله.. بل اجتهدوا في إنماء تجارتهم وأموالهم ليخدموا بها قضية الإسلام, ويكفوا بها حاجات المسلمين..
ولكن منهج هؤلاء الأصحاب, لا يغمز منهج أبو الدرداء, كما أن منهجه لا يغمز منهجهم, فكل ميسّر لما خلق له..

وأبو الدرداء يحسّ إحساسا صادقا أنه خلق لما نذر له حياته..
التخصص في نشدان الحقيقة بممارسة أقصى حالات التبتل وفق الإيمان الذي هداه إليه ربه, ورسوله والإسلام..
سمّوه إن شئتم تصوّفا..
ولكنه تصوّف رجل توفر له فطنة المؤمن, وقدرة الفيلسوف, وتجربة المحارب, وفقه الصحابي, ما جعل تصوّفه حركة حيّة فيبناء الروح, لا مجرّد ظلال صالحة لهذا البناء..!!

أجل..
ذلك هو أبو الدرداء, صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلميذه..
وذلكم هو أبو الدرداء, الحكيم, القدّيس..
ورجل دفع الدنيا بكلتا راحتيه, وزادها بصدره..
رجل عكف على نفسه وصقلها وزكّاها, وحتى صارت مرآة صافية انعكس عليها من الحكمة, والصواب, والخير, ما جعل من أبي الدرداء معلما عظيما وحكيما قويما..
سعداء, أولئك الذين يقبلون عليه, ويصغون إليه..
ألا تعالوا نقترب من حكمته يا أولي الألباب..
ولنبدأ بفلسفته تجاه الدنيا وتجاه مباهجها وزخارفها..
انه متأثر حتى أعماق روحه بآيات القرآن الرادعة عن:
( الذي جمع مالا وعدّده.. يحسب أن ماله أخلده)...
ومتأثر حتى أعماق روحه بقول الرسول:
" ما قلّ وكفى, خير مما كثر وألهى"..
ويقول عليه السلام:
" تفرّغوا من هموم الدنيا ما استطعتم, فانه من كانت الدنيا أكبر همّه, فرّق الله شمله, وجعل فقره بين عينيه.. ومن كانت الآخرة أكبر همّه جمع شمله, وجعل غناه في قلبه, وكان الله إليه بكل خير أسرع".
من أجل ذلك, كان يرثي لأولئك الذين وقعوا أسرى طموح الثروة ويقول:
" اللهم إني أعوذ بك من شتات القلب"..
سئل:
وما شتات القلب يا أبا الدرداء..؟؟
فأجاب:
أن يكون لي في كل واد مال"..!!
وهو يدعو الناس إلى امتلاك الدنيا والاستغناء عنها.. فذلك هو الامتلاك الحقيقي لها.. أما الجري وراء أطماعها التي لا تؤذن بالانتهاء, فذلك شر ألوان العبودية والرّق.
هنالك يقول:
" من لم يكن غنيا عن الدنيا, فلا دنيا له"..
والمال عنده وسيلة للعيش القنوع المعتدل ليس غير.
ومن ثم فان على الناس أن يأخذوه من حلال, وأن يكسبوه في رفق واعتدال, لا في جشع وتهالك.
فهو يقول:
" لا تأكل إلا طيّبا..
ولا تكسب إلا طيّبا..
ولا تدخل بيتك إلا طيّبا".
ويكتب لصاحب له فيقول:
".. أما بعد, فلست في شيء من عرض الدنيا, وإلا وقد كان لغيرك قبلك.. وهو صائر لغيرك بعدك.. وليس لك منه إلا ما قدّمت لنفسك... فآثرها على من تجمع المال له من ولدك ليكون له إرثا, فأنت إنما تجمع لواحد من اثنين:
إما ولد صالح يعمل فيه بطاعة الله, فيسعد بما شقيت به..
وإما ولد عاص, يعمل فيه بمعصية الله, فتشقى بما جمعت له,
فثق لهم بما عند الله من رزق, وانج بنفسك"..!

كانت الدنيا كلها في عين أبي الدرداء مجرّد عارية..
عندما فتحت قبرص وحملت غنائم الحرب إلى المدينة رأى الناس أبا الدرداء يبكي... واقتربوا دهشين يسألونه, وتولى توجيه السؤال إليه:" جبير بن نفير":

قال له:
" يا أبا الدرداء, ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله"..؟؟
فأجاب أبو الدرداء في حكمة بالغة وفهم عميق:
ويحك يا جبير..
ما أهون الخلق على الله اذا هم تركوا أمره..
بينما هي أمة, ظاهرة, قاهرة, لها الملك, تركت أمر الله, فصارت إلى ما ترى"..!

أجل..

وبهذا كان يعلل الانهيار السريع الذي تلحقه جيوش الإسلام بالبلاد المفتوحة, إفلاس تلك البلاد من روحانية صادقة تعصمها, ودين صحيح يصلها بالله..
ومن هنا أيضا, كان يخشى على المسلمين أياما تنحلّ فيها عرى الإيمان, وتضعف روابطهم بالله, وبالحق, وبالصلاح, فتنتقل العارية من أيديهم, بنفس السهولة التي انتقلت بها من قبل إليهم..!!

وكما كانت الدنيا بأسرها مجرّد عارية في يقينه, كذلك كانت جسرا إلى حياة أبقى وأروع..
دخل عليه أصحابه يعودونه وهو مريض, فوجدوه نائما على فراش من جلد..
فقالوا له:" لو شئت كان لك فراش أطيب وأنعم.."
فأجابهم وهو يشير بسبّابته, وبريق عينيه صوب الأمام البعيد:
" إن دارنا هناك..
لها نجمع.. واليها نرجع..
نظعن إليها. ونعمل لها"..!!
وهذه النظرة إلى الدنيا ليست عند أبي الدرداء وجهة نظر فحسب بل ومنهج حياة كذلك..
خطب يزيد بن معاوية ابنته الدرداء فردّه, ولم يقبل خطبته, ثم خطبها واحد من فقراء المسلمين وصالحيهم, فزوّجها أبو الدرداء منه.
وعجب الناس لهذا التصرّف, فعلّمهم أبو الدرداء قائلا:
" ما ظنّكم بالدرداء, اذا قام على رأسها الخدم وبهرها زخرف القصور..
أين دينها منها يومئذ"..؟!
هذا حكيم قويم النفس, ذكي الفؤاد..
وهو يرفض من الدنيا ومن متاعها كل ما يشدّ النفس إليها, ويولّه القلب بها..
وهو بهذا لا يهرب من السعادة بل إليها..
فالسعادة الحقة عنده هي أن تمتلك الدنيا, لا أن تمتلكك أنت الدنيا..
وكلما وقفت مطالب الناس في الحياة عند حدود القناعة والاعتدال وكلما أدركوا حقيقة الدنيا كجسر يعبرون عليه إلى دار القرار والمآل والخلود, كلما صنعوا هذا, كان نصيبهم من السعادة الحقة أوفى وأعظم..
وانه ليقول:
" ليس الخير أن يكثر مالك وولدك, ولكن الخير أن يعظم حلمك, ويكثر علمك, وأن تباري الناس في عبادة الله تعالى"..
وفي خلافة عثمان رضي الله عنه, وكان معاوية أميرا على الشام نزل أبو الدرداء على رغبة الخليفة في أن يلي القضاء..
وهناك في الشام وقف بالمرصاد لجميع الذين أغرّتهم مباهج الدنيا, وراح يذكّر بمنهج الرسول في حياته, وزهده, وبمنهج الرعيل الأول من الشهداء والصدّيقين..
وكانت الشام يومئذ حاضرة تموج بالمباهج والنعيم..
وكأن أهلها ضاقوا ذرعا بهذا الذي ينغصّ عليهم بمواعظه متاعهم ودنياهم..
فجمعهم أبو الدرداء, وقام فيهم خطيبا:
" يا أهل الشام..
أنتم الإخوان في الدين, والجيران في الدار, والأنصار على الأعداء..
ولكن مالي أراكم لا تستحيون..؟؟
تجمعون ما لا تأكلون..
وتبنون ما لا تسكنون..
وترجون ما لا تبلّغون..
وقد كانت القرون من قبلكم يجمعون, فيوعون..
ويؤمّلون, فيطيلون..
ويبنون, فيوثقون..
فأصبح جمعهم بورا..
وأماهم غرورا..
وبيوتهم قبورا..
أولئك قوم عاد, ملأوا ما بين عدن إلى عمان أموالا وأولادا..".
ثم ارتسمت على شفتيه بسمة عريضة ساخرة, ولوّح بذراعه في الجمع الذاهل, وصاح في سخرية لا فحة:
" من يشتري مني تركة آل عاد بدرهمين"..؟!

رجل باهر, رائع, مضيء, حكمته مؤمنة, ومشاعره ورعة, ومنطقه سديد ورشيد..!!
العبادة عند أبي الدرداء ليست غرورا ولا تأليا. إنما هي التماس للخير, وتعرّض لرحمة الله, وضراعة دائمة تذكّر الإنسان بضعفه. وبفضل ربه عليه:
انه يقول:
التمسوا الخير دهركم كله..
وتعرّضوا لنفحات رحمة الله, فان لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده..
" وسلوا الله أن يستر عوراتكم, ويؤمّن روعاتكم"...
كان ذلك الحكيم مفتوح العينين دائما على غرور العبادة, يحذّر منه الناس.
هذا الغرور الذي يصيب بعض الضعاف في إيمانهم حين يأخذهم الزهو بعبادتهم, فيتألّون بها على الآخرين ويدلّون..
فلنستمع له ما يقول:
" مثقال ذرّة من برّ صاحب تقوى ويقين, أرجح وأفضل من أمثال الجبال من عبادة النغترّين"..
ويقول أيضا:
"لا تكلفوا الناس ما لم يكلفوا..
ولا تحاسبوهم دون ربهم
عليكم أنفسكم, فان من تتبع ما يرى في الإنس يطل حزنه"..!
انه لا يريد للعابد مهما يعل في العبادة شأوه أن يجرّد من نفسه ديّانا تجاه العبد.
عليه أن يحمد الله على توفيقه, وأن يعاون بدعائه وبنبل مشاعره ونواياه أولئك الذين لم يدركوا مثل هذا التوفيق.
هل تعرفون حكمة أنضر وأبهى من حكمة هذا الحكيم..؟؟
يحدثنا صاحبه أبو قلابة فيقول:
" مرّ أبو الدرداء يوما على رجل قد أصاب ذنبا, والناس يسبّونه, فنهاهم وقال: أرأيتم لو وجدتموه في حفرة.. ألم تكونوا مخرجيه منها..؟
قالوا بلى..
قال: فلا تسبّوه إذن, وحمدوا الله الذي عافاكم.
قالوا: أنبغضه..؟
قال: إنما أبغضوا عمله, فإذا تركه فهو أخي"..!!

وإذا كان هذا أحد وجهي العبادة عند أبي الدرداء, فان وجهها الآخر هو العلم والمعرفة..
إن أبا الدرداء يقدّس العلم تقديسا بعيدا.. يقدّسه كحكيم, ويقدّسه كعابد فيقول:
" لا يكون أحدكم تقيا حتى يكون عالما..
ولن يكون بالعلم جميلا, حتى يكون به عاملا".
أجل..
فالعلم عنده فهم, وسلوك.. معرفة, ومنهج.. فكرة حياة..
ولأن تقديسه هذا تقديس رجل حكيم, نراه ينادي بأن العلم كالمتعلم كلاهما سواء في الفضل, والمكانة, والمثوبة..
ويرى أن عظمة الحياة منوطة بالعلم الخيّر قبل أي شيء سواه..
ها هو ذا يقول:
" مالي أرى العلماء كم يذهبون, وجهّالكم لا يتعلمون؟؟ ألا إن معلّم الخير والمتعلّم في الأجر سواء.. ولا خير في سائر الناس بعدهما"..
ويقول أيضا:
" الناس ثلاثة..
عالم..
ومتعلم..
والثالث همج لا خير فيه".

وكما رأينا من قبل, لا ينفصل العلم في حكمة أبي الدرداء رضي الله عنه عن العمل.
يقول:
"إن أخشى ما أخشاه على نفسي أن يقال لي يوم القيامة على رؤوس الخلائق: يا عويمر, هل علمت؟؟
فأقول نعم..
فيقال لي: فماذا عملت فيما علمت"..؟
وكان يجلّ العلماء العاملين ويوقرهم توقيرا كبيرا, بل كان يدعو ربّه ويقول:
" اللهم إني أعوذ بك أن تلعنني قلوب العلماء.."
قيل له:
وكيف تلعنك قلوبهم؟
قال رضي الله عنه:
" تكرهني"..!
أرأيتم؟؟
انه يرى في كراهيّة العالم لعنة لا يطيقها.. ومن ثمّ فهو يضرع إلى ربه أن يعيذه منها..

وتستوصي حكمة أبي الدرداء بالإخاء خيرا, وتبنى علاقة الإنسان بالإنسان على أساس من واقع الطبيعة الإنسانية ذاتها فيقول:
" معاتبة الأخ خير لك من فقده, ومن لك بأخيك كله..؟
أعط أخاك ولن له..
ولا تطع فيه حاسدا, فتكون مثله.
غدا يأتيك الموت, فيكفيك فقده..
وكيف تبكيه بعد الموت, وفي الحياة ما كنت أديت حقه"..؟؟
ومراقبة الله في عباده قاعدة صلبة يبني عليها أبو الدرداء حقوق الإخاء..
يقول رضي الله عنه وأرضاه:
" إني أبغض أن أظلم أحدا.. ولكني أبغض أكثر وأكثر, أن أظلم من لا يستعين عليّ إلا بالله العليّ الكبير"..!!
يل لعظمة نفسك, وإشراق روحك يا أبا الدرداء..!!
انه يحذّر الناس من خداع الوهم, حين يظنون أن المستضعفين العزّل أقرب منالا من أيديهم, ومن بأسهم..!
ويذكّرهم أن هؤلاء في ضعفهم يملكون قوّة ماحقة حين يتوسلون إلى الله عز وجل بعجزهم, ويطرحون بين يديه قضيتهم, وهو أنهم على الناس..!!
هذا هو أبو الدرداء الحكيم..!
هذا هو أبو الدرداء الزاهد, العابد, الأوّاب..
هذا هو أبو الدرداء الذي كان اذا أطرى الناس تقاه, وسألوه الدعاء, أجابهم في تواضع وثيق قائلا:
" لا أحسن السباحة.. وأخاف الغرق"..!!

كل هذا, ولا تحسن السباحة يا أبا الدرداء..؟؟
ولكن أي عجب, وأنت تربية الرسول عليه الصلاة والسلام... وتلميذ القرآن.. وابن الإسلام الأوّل وصاحب أبي بكر وعمر, وبقيّة الرجال..!؟


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:27 am

أبيّ بن كعب
( ليهنك العلم, أبا المنذر )

سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم:
" يا أبا المنذر..؟
أي آية من كتاب الله أعظم..؟؟
فأجاب قائلا:
الله ورسوله أعلم..
وأعاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سؤاله:
أبا المنذر..؟؟
أيّ أية من كتاب الله أعظم..؟؟
وأجاب أبيّ:
الله لا اله إلا هو الحيّ القيّوم..
فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره بيده, وقال له والغبطة تتألق على محيّاه:
ليهنك العلم أبا المنذر"...

إن أبا المنذر الذي هنأه الرسول الكريم بما أنعم الله عليه من علم وفهم هو أبيّ بن كعب الصحابي الجليل..
هو أنصاري من الخزرج, شهد العقبة, وبدرا, وبقية المشاهد..
وبلغ من المسلمين الأوائل منزلة رفيعة, ومكانا عاليا, حتى لقد قال عنه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنهما:
" أبيّ سيّد المسلمين"..
وكان أبيّ بن كعب في مقدمة الذين يكتبون الوحي, ويكتبون الرسائل..
وكان في حفظه القرآن الكريم, وترتيله إياه, وفهمه آياته,من المتفوقين..
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما:
" يا أبيّ بن كعب..
إني أمرت أن أعرض عليك القرآن"..
وأبيّ يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يتلقى أوامره من الوحي..
هنالك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في نشوة غامرة:
" يا رسول الله بأبي أنت وأمي.. وهل ذكرت لك باسمي"..؟؟
فأجاب الرسول:
" نعم..
باسمك, ونسبك, في الملأ الأعلى"..!!
وان مسلما يبلغ من قلب النبي صلى الله عليه وسلم هذه المنزلة لهو مسلم عظيم جد عظيم..
وطوال سنوات الصحبة, وأبيّ بن كعب قريب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهل من معينه العذب المعطاء..
وبعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى, ظلّ أبيّ على عهده الوثيق.. في عبادته, وفي قوة دينه, وخلقه..
وكان دائما نذيرا في قومه..
يذكرهم بأيام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وماكانوا عليه من عهد, وسلوك وزهد..
ومن كلماته الباهرة التي كان يهتف بها في أصحابه:
" لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوهنا واحدة..
فلما فارقنا, اختلفت وجوهنا يمينا وشمالا"..

ولقد ظل مستمسكا بالتقوى, معتصما بالزهد, فلم تستطع الدنيا أن تفتنه أو تخدعه..
ذلك أنه كان يرى حقيقتها في نهايتها..
فمهما يعيش المرء, ومهما يتقلب في المناعم والطيبات, فانه ملاق يوما يتحول فيه كل ذلك إلى هباء, ولا يجد بين يديه إلا ما عمل من خير, أو ما عمل من سوء..
وعن عمل الدنيا يتحدّث أبيّ فيقول:
" إن طعام ني آدم, قد ضرب للدنيا مثلا..
فان ملّحه, وقذحه, فانظر إلى ماذا يصير"..؟؟

وكان أبيّ إذا تحدّث للناس استشرفته الأعناق والأسماع في شوق وإصغاء..
ذلك أنه من الذين لم يخافوا في الله أحدا.. ولم يطلبوا من الدنيا غرضا..
وحين اتسعت بلاد الإسلام, ورأى المسلمين يجاملون ولاتهم في غير حق, وقف يرسل كلماته المنذرة:
" هلكوا ورب الكعبة..
هلكوا وأهلكوا..
أما إني لا آسى عليهم, ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين".

وكان على كثرة ورعه وتقاه, يبكي كلما ذكر الله واليوم الآخر.
وكانت آيات القرآن الكريم وهو يرتلها, أو يسمعها, تهزه وتهز كل كيانه..
وعلى ئأن آية من تلك الآيات الكريمة, كان إذا سمعها أو تلاها تغشاه من الأسى ما لا يوصف..
تلك هي:
( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم, أو من تحت أرجلكم, أو يلبسكم شيعا.. ويذيق بعضكم بأس بعض)..
كان أكثر ما يخشاه أبيّ على الأمة المسلمة أن يأتي عليها اليوم الذي يصير بأس أبنائها بينهم شديدا..
وكان يسأل الله العافية دوما.. ولقد أدركها بفضل من الله ونعمة..
ولقي ربه مؤمنا, وآمنا ومثابا..


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:28 am

أسامة بن زيد ( الحبّ بن الحبّ )

جلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقسّم أموال بيت المال على المسلمين..
وجاء دور عبدالله بن عمر, فأعطاه عمر نصيبه.
ثم جاء دور أسامة بن زيد, فأعطاه عمر ضعف ما أعطى ولده عبدالله..
وإذا كان عمر يعطي الناس وفق فضلهم, وبلائهم في الإسلام, فقد خشي عبدالله بن عمر إن يكون مكانه في الإسلام آخرا, وهو الذي يرجو بطاعته, وبجهاده, وبزهده, وبورعه,إن يكون عند الله من السابقين..
هنالك سأل أباه قائلا:" لقد فضّلت عليّ أسامة, وقد شهدت مع رسول الله ما لم يشهد"..؟
فأجابه عمر:
" إن أسامة كان أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك..
وأبوه كان أحب إلى رسول الله من أبيك"..!
فمن هذا الذي بلغ هو وأبوه من قلب الرسول وحبه ما لم يبلغه ابن عمر, وما لم يبلغه عمر بذاته..؟؟
إنه أسامة بن زيد.
كان لقبه بين الصحابة: الحبّ بن الحبّ..
أبوه زيد بن حارثة خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي آثر الرسول على أبيه وأمه وأهله, والذي وقف به النبي على جموع أصحابه يقول:
" أشهدكم إن زيدا هذا ابني, يرثني وأرثه"..
وظل اسمه بين المسلمين زيد بن محمد حتى أبطل القرآن الكريم عادة التبنّي..
أسامة هذا ابنه..
وأمه هي أم أيمن, مولاة رسول الله وحاضنته,
لم يكن شكله الخارجي يؤهله لشيء.. أي شيء..
فهو كما يصفه الرواة والمؤرخون: أسود, أفطس..
أجل.. بهاتين الكلمتين, لا أكثر يلخص التاريخ حديثه عن شكل أسامة..!!
ولكن, متى كان الإسلام يعبأ بالأشكال الظاهرة للناس..؟
متى.. ورسوله هو الذي يقول:
" ألا ربّ أشعث, أعبر, ذي طمرين لا يؤبه له, لو أقسم على الله لأبرّه"..
فلندع الشكل الخارجي لأسامة إذن..
لندع بشرته السوداء, وأنفه الأفطس, فما هذا كله في ميزان الإسلام مكان..
ولننظر ماذا كان في ولائه..؟ ماذا كان في افتدائه..؟ في عظمة نفسه, وامتلاء حياته..؟!
لقد بلغ من ذلك كله المدى الذي هيأه لهذا الفيض من حب رسول الله عليه الصلاة والسلام وتقديره:
" إن أسامة بن زيد لمن أحبّ الناس إليّ, وإني لأرجو إن يكون من صالحيكم, فاستوصوا به خيرا".

كان أسامة رضي الله عنه مالكا لكل الصفات العظيمة التي تجعله قريبا من قلب الرسول.. وكبيرا في عينيه..
فهو ابن مسلمين كريمين من أوائل المسلمين سبقا إلى الإسلام, ومن أكثرهم ولاء للرسول وقربا منه.
وهو من أبناء الإسلام الحنفاء الذين ولدوا فيه, وتلقوا رضعاتهم الأولى من فطرته النقية, دون إن يدركهم من غبار الجاهلية المظلمة شيء..

وهو رضي الله عنه على حداثة سنه, مؤمن, صلب, ومسلم قوي, يحمل كل تبعات إيمانه ودينه, في ولاء مكين, وعزيمة قاهرة..
وهو مفرط في ذكائه, مفرط في تواضعه, ليس لتفانيه في سبيل الله ورسوله حدود..
ثم هو بعد هذا, يمثل في الدين الجديد, ضحايا الألوان الذين جاء الإسلام ليضع عنهم أوزار التفرقة وأوضارها..
فهذا الأسود الأفطس يأخذ في قلب النبي, وفي صفوف المسلمين مكانا عليّا, لأن الدين الذي ارتضاه الله لعباده قد صحح معايير الآدمية والأفضلية بين الناس فقال:
( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {13}الحجرات)..
وهكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل مكة يوم الفتح العظيم ورديفه هذا الأسود الأفطس أسامة بن زيد..
ثم رأيناه يدخل الكعبة في أكثر ساعات الإسلام روعة, وفوزا, وعن يمينه ويساره بلال, وأسامة.. رجلان تكسوهما البشرة السوداء الداكنة, ولكن كلمة الله التي يحملانها في قلبيهما الكبيرين قد أسبغت عليهما كل الشرف وكل الرفعة..

وفي سن مبكرة, لم تجاوز العشرين, أمر رسول الله أسامة بن زيد على جيش, بين أفراده وجنوده أبو بكر وعمر..!!
وسرت همهمة بين نفر من المسلمين تعاظمهم الأمر, واستكثروا على الفتى الشاب, أسامة بن زيد, إمارة جيش فيه شيوخ الأنصار وكبار المهاجرين..
وبلغ همسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فصعد المنبر, وحمد الله وأثنى عليه, ثم قال:
" إن بعض الناس يطعنون في إمارة أسامة بن زيد..
ولقد طعنوا في إمارة أبيه من قبل..
وإن كان أبوه لخليقا للإمارة..
وإن أسامة لخليق لها..
وإنه لمن أحبّ الناس إليّ بعد أبيه..
وإني لأرجو أن يكون من صالحيكم..
فاستوصوا به خيرا"..
وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إن يتحرّك الجيش إلى غايته ولكنه كان قد ترك وصيته الحكيمة لأصحابه:
" أنفذوا بعث أسامة..
أنفذوا بعث أسامة.."

وهكذا قدّس الخليفة أبو بكر هذه الوصاة, وعلى الرغم من الظروف الجديدة التي خلفتها وفاة الرسول, فإن الصدّيق أصرّ على إنجاز وصيته وأمره, فتحرّك جيش أسامة إلى غايته, بعد إن استأذنه الخليفة في إن يدع عمر ليبقى إلى جواره في المدينة.
وبينما كان إمبراطور الروم هرقل, يتلقى خبر وفاة الرسول, تلقى في نفس الوقت خبر الجيش الذي يغير على تخوم الشام بقيادة أسامة بن زيد, فحيّره إن يكون المسلمون من القوة بحيث لا يؤثر موت رسولهم في خططهم ومقدرتهم.
وهكذا انكمش الروم, ولم يعودوا يتخذون من حدود الشام نقط وثوب على مهد الإسلام في الجزيرة العربية.
وعاد الجيش بلا ضحايا.. وقال عنه المسلمون يومئذ:
" ما رأينا جيشا أسلم من جيش أسامة"..!!

وذات يوم تلقى أسامة من رسول الله درس حياته.. درسا بليغا, عاشه أسامة, وعاشته حياته كلها منذ غادرهم الرسول إلى الرفيق الأعلى إلى أن لقي أسامة ربه في أواخر خلافة معاوية.

قبل وفاة الرسول بعامين بعثه عليه السلام أميرا على سريّة خرجت للقاء بعض المشركين الذين يناوئون الإسلام والمسلمين.
وكانت تلك أول إمارة يتولاها أسامة..
ولقد أحرز في مهمته النجاح والفوز, وسبقته إنباء فوزه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح بها وسر.

ولنستمع إلى أسامة يروي لنا بقية النبأ:
".. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم, وقد أتاه البشير بالفتح, فإذا هو متهلل وجهه.. فأدناني منه ثم قال:
حدّثني..
فجعلت أحدّثه.. وذكرت إنه لما انهزم القوم أدركت رجلا وأهويت إليه بالرمح, فقال لا اله إلا الله فطعنته وقتلته.
فتغيّر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال:
ويحك يا أسامة..!
فكيف لك بلا اله إلا الله..؟
ويحك يا أسامة..
فكيف لك بلا اله إلا الله..؟
فلم يزل يرددها عليّ حتى لوددت إني انسلخت من كل عمل عملته. واستقبلت الإسلام يومئذ من جديد.
فلا والله لا أقاتل أحدا قال لا اله إلا الله بعدما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم".

هذا هو الدرس العظيم الذي وجّه حياة أسامة الحبيب بن الحبيب منذ سمعه من رسول الله إلى أن رحل عن الدنيا راضيا مرضيّا.
وإنه لدرس بليغ.
درس يكشف عن إنسانية الرسول, وعدله, وسموّ مبادئه, وعظمة دينه وخلقه..
فهذا الرجل الذي أسف النبي لمقتله, وأنكر على أسامة قتله, كان مشركا ومحاربا..
وهو حين قال: لا اله إلا الله.. قالها والسيف في يمينه, تتعلق به مزغ اللحم التي نهشها من أجساد المسلمين.. قالها لينجو بها من ضربة قاتلة, أو ليهيئ لنفسه فرصة يغير فيها اتجاهه ثم يعاود القتال من جديد..
ومع هذا, فلأنه قالها, وتحرّك بها لسانه, يصير دمه حراما وحياته آمنة, في نفس اللحظة, ولنفس السبب..!
ووعى أسامة الدرس إلى منتهاه..
فإذا كان هذا الرجل, في هذا الموقف, ينهى الرسول عن قتله لمجرّد إنه قل: لا اله إلا الله.. فكيف بالذين هم مؤمنون حقا, ومسلمون حقا..؟
وهكذا رأيناه عندما نشبت الفتنة الكبرى بين الإمام علي وأنصاره من جانب, ومعاوية وأنصاره من جانب آخر, يلتزم حيادا مطلقا.
كان يحبّ عليّا أكثر الحب, وكان يبصر الحق إلى جانبه.. ولكن كيف يقتل بسيفه مسلما يؤمن بالله وبرسله, وهو لذي لامه الرسول لقتله مشركا محاربا قال في لحظة انكساره وهروبه: لا اله إلا الله..؟؟!!
هنالك أرسل إلى الإمام علي رسالة قال فيها:
" إنك لو كنت في شدق الأسد,
لأحببت أن أدخل معك فيه.
ولكن هذا أمر لم أره"..!!
ولزم داره طوال هذا النزاع وتلك الحروب..
وحين حاءه بعض أصحابه يناقشونه في موقفه قال لهم:
" لا أقاتل أحدا يقول لا اله إلا الله أبدا".
قال أحدهم له: ألم بقل الله: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ{193}البقرة)..؟؟
فأجابهم أسامة قائلا:
" أولئك هم المشركون, ولقد قاتلناهم حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله"..

وفي العام الرابع والخمسين من الهجرة.. اشتاق أسامة للقاء الله, وتلملمت روحه بين جوانحه, تريد إن ترجع إلى وطنها الأول..
وتفتحت أبواب الجنان, لتستقبل واحدا من الأبرار المتقين.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:28 am

البراء بن مالك ( الله, والجنة )

هو ثاني أخوين عاشا في الله, وأعطيا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا نما وأزهر مع الأيام..
أما أولهما فهو أنس بن مالك خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام.
أخذته أمه أم سليم إلى الرسول وعمره يوم ذاك عشر سنين وقالت:
"يا رسول الله..
هذا أنس غلامك يخدمك, فادع الله له"..
فقبّله رسول الله بين عينيه ودعا له دعوة ظلت تحدو عمره الطويل نحو الخير والبركة..
دعا له لرسول فقال:
" اللهم أكثر ماله, وولده, وبارك له, وأدخله الجنة"..
فعاش تسعا وتسعين سنة, ورزق من البنين والحفدة كثيرين, كما أعطاه الله فيما أعطاه من رزق, بستانا رحبا , كان يحمل الفاكهة في العام مرتين..!!

وثاني الأخوين, هو البراء بن مالك..
عاش حياته العظيمة المقدامة, وشعاره:
" الله, والجنة"..
ومن كان يراه, وهو يقاتل في سبيل الله, كان يرى عجبا يفوق العجب..
فلم يكن البراء حين يجاهد المشركين بسيفه ممن يبحثون عن النصر, وان يكن النصر آنئذ أجلّ غاية.. إنما كان يبحث عن الشهادة..
كانت كل أمانيه, أن يموت شهيدا, ويقضي نحبه فوق أرض معركة مجيدة من معارك الإسلام والحق..
من أجل هذا, لم يتخلف عن مشهد ولا غزوة..
وذات يوم ذهب إخوانه يعودونه, فقرأ وجوههم ثم قال:
" لعلكم ترهبون أن أموت على فراشي..
لا والله, لن يحرمني ربي الشهادة"..!!
ولقد صدّق الله ظنه فيه, فلم يمت البراء على فراشه, بل مات شهيدا في معركة من أروع معارك الإسلام..!!

ولقد كانت بطولة البراء يوم اليمامة خليقة به.. خليقة بالبطل الذي كان عمر بن الخطاب يوصي ألا يكون قائدا أبدا, لأن جسارته وإقدامه, وبحثه عن الموت.. كل هذا يجعل قيادته لغيره من المقاتلين مخاطرة تشبه الهلاك..!!
وقف البراء يوم اليمامة وجيوش الإسلام تحت إمرة خالد تتهيأ للنزال, وقف يتلمظ مستبطئا تلك اللحظات التي تمرّ كأنها السنين, قبل أن يصدر القائد أمره بالزحف..
وعيناه الثاقبتان تتحركان في سرعة ونفاذ فوق أرض المعركة كلها, كأنهما تبحثان عن أصلح مكان لمصرع البطل..!!
أجل فما كان يشغله في دنياه كلها غير هذه الغاية..
حصاد كثير يتساقط من المشركين دعاة الظلام والباطل بحدّ سيفه الماحق..
ثم ضربة تواتيه في نهاية المعركة من يد مشركة, يميل على أثرها جسده إلى الأرض, على حين تأخذ روحه طريقها إلى الملأ الأعلى في عرس الشهداء, وأعياد المباركين..!!

ونادى خالد: الله أكبر, فانطلقت الصفوف المرصوصة إلى مقاديرها, وانطلق معها عاشق الموت البراء بن مالك..
وراح يجندل أتباع مسيلمة الكذاب بسيفه.. وهم يتساقطون كأوراق الخريف تحت وميض بأسه..
لم يكن جيش مسيلمة هزيلا, ولا قليلا.. بل كان أخطر جيوش الردة جميعا..
وكان بأعداده, وعتاده, واستماتة مقاتليه, خطرا يفوق كل خطر..
ولقد أجابوا على هجوم المسلمين شيء من الجزع. وانطلق زعماؤهم وخطباؤهم يلقون من فوق صهوات جيادهم كلمات التثبيت. ويذكرون بوعد الله..
وكان البراء بن مالك جميل الصوت عاليه..
وناداه القائد خالد تكلم يا براء..
فصاح البراء بكلمات تناهت في الجزالة, والدّلالة, القوة..
تلك هي:
" يا أهل المدينة..
لا مدينة لكم اليوم..
إنما هو الله والجنة"..
كلمات تدل على روح قائلها وتنبئ بخصاله.
أجل..
إنما هو الله, والجنة..!!
وفي هذا الموطن, لا ينبغي أن تدور الخواطر حول شيء آخر..
حتى المدينة, عاصمة الإسلام, والبلد الذي خلفوا فيه ديارهم ونساءهم وأولادهم, لا ينبغي أن يفكروا فيها, لأنهم إذا هزموا اليوم, فلن تكون هنالك مدينة..
وسرت كلمات البراء مثل.. مثل ماذا..؟
إن أي تشبيه سيكون ظلما لحقيقة أثرها وتأثيرها..
فلنقل: سرت كلمات البراء وكفى..
ومضى وقت وجيز عادت بعده المعركة إلى نهجها الأول..
المسلمون يتقدمون, يسبقهم نصر مؤزر.
والمشركون يتساقطون في حضيض هزيمة منكرة..
والبراء هناك مع إخوانه يسيرون لراية محمد صلى الله عليه وسلم إلى موعدها العظيم..
واندفع المشركون إلى وراء هاربين, واحتموا بحديقة كبيرة دخلوها ولاذوا بها..
وبردت المعركة في دماء المسلمين, وبدا أن في الأمان تغير مصيرها بهذه الحيلة التي لجأ إليها أتباع مسيلمة وجيشه..
وهنا علا البراء ربوة عالية وصاح:
" يا معشر المسلمين..
احملوني وألقوني عليهم في الحديقة"..
ألم أقل لكم انه لا يبحث عن النصر بل عن الشهادة..!!
ولقد تصوّر في هذه الخطة خير ختام لحياته, وخير صورة لمماته..!!
فهو حين يقذف به إلى الحديقة, يفتح المسلمين بابها, وفي نفس الوقت كذلك تكون أبواب الجنة تأخذ زينتها وتتفتح لاستقبال عرس جديد ومجيد..!!

ولم ينتظر البراء أن يحمله قومه ويقذفوا به, فاعتلى هو الجدار, وألقى بنفسه داخل الحديقة وفتح الباب, واقتحمته جيوش الإسلام..
ولكن حلم البراء لم يتحقق, فلا سيوف المشركين اغتالته, ولا هو لقي المصرع الذي كان يمني به نفسه..
وصدق أبو بكر رضي الله عنه:
" احرص على الموت..
توهب لك الحياة"..!!

صحيح أن جسد البطل تلقى يومئذ من سيوف المشركين بضعا وثمانين ضربة, أثخنته ببضع وثمانين جراحة, حتى لقد ظل بعد المعركة شهرا كاملا, يشرف خالد بن الوليد نفسه على تمريضه..
ولكن كل هذا الذي أصابه كان دون غايته وما يتمنى..
بيد أن ذلك لا يحمل البراء على اليأس.. فغدا تجيء معركة, ومعركة, ومعركة..
ولقد تنبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه مستجاب الدعوة..
فليس عليه إلا أن يدعو ربه دائما أن يرزقه الشهادة, ثم عليه ألا يعجل, فلكل أجل كتاب..!!

ويبرأ البراء من جراحات يوم اليمامة..
وينطلق مع جيوش الإسلام التي ذهبت تشيّع قوى الظلام إلى مصارعها.. هناك حيث تقوم إمبراطوريتان خرعتان فانيتان, الروم والفرس, تحتلان بجيوشهما الباغية بلاد الله, وتستعبدان عباده..
ويضرب البراء بسيفه, ومكان كل ضربة يقوم جدار شاهق في بناء العالم الجديد الذي ينمو تحت راية الإسلام نموّا سريعا كالنهار المشرق..

وفي إحدى حروب العراق لجأ الفرس في قتالهم إلى كل وحشية دنيئة يستطيعونها..
فاستعملوا كلاليب مثبتة في أطراف سلاسل محمأة بالنار, يلقونها من حصونهم, فتخطف من تناله من المسلمين الذين لا يستطيعون منها فكاكا..
وكان البراء وأخوه العظيم أنس بن مالك قد وكل إليهما مع جماعة من المسلمين أمر واحد من تلك الحصون..
ولكن أحد هذه الكلاليب سقط فجأة, فتعلق بأنس ولم يستطع أنس أن يخلص نفسه من السلسلة , إذ كانت تتوهج لهبا ونارا..
وأبصر البراء المشهد فسارع نحو أخيه الذي كانت السلسلة المحمأة تصعد به على سطح جدار الحصن.. وقبض على السلسلة بيديه وراح يعالجها في بأس شديد حتى قصمها وقطعها.. ونجا أنس وألقى البراء ومن معه نظرة على كفيه فلم يجدوهما مكانهما..!!
لقد ذهب كل ما فيهما من لحم, وبقي هيكلهما العظمي مسمّرا محترقا..!!
وقضى البطل فترة أخرى في علاج بطيء حتى برئ..

أما آن لعاشق الموت أن يبلغ غايته..؟؟
بلى آن..!!
وهاهي ذي موقعة تستر تجيء ليلاقي المسلمون فيها جيوش فارس
ولتكون للبراء عيدا أي عيد..

احتشد أهل الأهواز, والفرس في جيش كثيف ليناجزوا المسلمين..
وكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص بالكوفة ليرسل إلى الأهواز جيشا..
وكتب إلى أبي موسى الأشعري بالبصرة ليرسل إلى الأهواز جيشا, قائلا له في رسالته:
" اجعل أمير الجند سهيل بن عديّ..
وليكن معه البراء بن مالك"..
والتقى القادمون من الكوفة بالقادمين من البصرة ليواجهوا جيش الأهواز وجيش الفرس في معركة ضارية..
كان الأخوان العظيمان بين الجنود المؤمنين.. أنس بن مالك, والبراء بن مالك..
وبدأت الحرب بالمبارزة, فصرع البراء وحده مائة مبارز من الفرس..
ثم التحمت الجيوش, وراح القتلى يتساقطون من الفرقين كليهما في كثرة كاثرة..
واقترب بعض الصحابة من البراء, والقتال دائر, ونادوه قائلين:
" أتذكر يا براء قول الرسول عنك: ربّ أشعث أغبر ذي طَمْرٍ لا يؤبه له, لو أقسم على الله لأبرّه, منهم البراء بن مالك..؟
يا براء أقسم على ربك, ليهزمهم وينصرنا"..
ورفع البراء ذراعيه إلى السماء ضارعا داعيا:
" اللهم امنحنا أكنافهم..
اللهم اهزمهم..
وانصرنا عليهم..
وألحقني اليوم بنبيّك"..
ألقى على جبين أخيه أنس الذي كان يقاتل قريب منه.. نظرة طويلة, كأنه يودّعه..
وانقذف المسلمون في استبسال لم تألفه الدنيا من سواهم..
ونصروا نصرا مبينا.

ووسط شهداء المعركة, كان هناك البراء تعلو وجهه ابتسامة هانئة كضوء الفجر.. وتقبض يمناه على حثيّة من تراب مضمّخة بدمه الطهور..
لقد بلغ المسافر داره..
وأنهى مع إخوانه الشهداء رحلة عمر جليل وعظيم, ونودوا:
( أن تلكم الجنة, أورثتموها بما كنتم تعملون)....


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:29 am

الزبير بن العوّام ( حواريّ رسول الله )

ولا يجيء ذكر الزبير إلا ويذكر طلحة معه..
فحين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يؤاخي بين أصحابه في مكة قبل الهجرة, آخى بين طلحة والزبير.
وطالما كان عليه السلام يتحدث عنهما معا.. مثل قوله:
" طلحة والزبير جاراي في الجنة".
وكلاهما يجتمع مع الرسول في القرابة والنسب.
أما طلحة, فيجتمع في نسبه مع الرسول في مرة بن كعب.
وأما الزبير, فيلتقي في نسبه مع الرسول في قصّي بن كلاّب كما أن أمه صفية عمة الرسول صلى الله عليه وسلم..
وكل منهما طلحة والزبير كان أكثر الناس شبها بالآخر في مقادير الحياة..
فالتماثل بينهما كبير, في النشأة, في الثراء, في السخاء, في قوة الدين, في روعة الشجاعة, وكلاهما من المسلمين المبكرين بإسلامهم...
ومن العشرة الذين بشّرهم الرسول بالجنة. ومن أصحاب الشورى الستة الذين وكّل إليهم عمر اختيار الخليفة من بعده.
وحتى مصيرهما كان كامل التماثل.. بل كان مصيرا واحدا.

ولقد أسلم الزبير, إسلاما مبكرا, إذ كان واحدا من السبعة الأوائل الذين سارعوا إلى الإسلام, وأسهموا في طليعته المباركة في دار الأرقم..
وكان عمره يومئذ خمس عشر سنة.. وهكذا رزق الهدى والنور والخير صبيا..
ولقد كان فارسا ومقداما منذ صباه. حتى إن المؤرخين ليذكرون أن أول سيف شهر في الإسلام كان سيف الزبير.
ففي الأيام الأولى للإسلام, والمسلمون يومئذ قلة يستخفون في دار الأرقم.. سرت إشاعة ذات يوم أن الرسول قتل.. فما كان من الزبير إلا أن استلّ سيفه وامتشقه, وسار في شوارع مكة, على حداثة سنه كالإعصار..!
ذهب أولا يتبيّن الخبر, معتزما أن ما ألفاه صحيحا أن يعمل سيفه في رقاب قريش كلها حتى يظفر بهم أو يظفروا به..
وفي أعلى مكة لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسأله ماذا به....؟ فأنهى إليه الزبير النبأ.. فصلى عليه الرسول, ودعا له بالخير, ولسيفه بالغلب.
وعلى الرغم من شرف الزبير في قومه فقد حمل حظه من اضطهاد قريش وعذابها.
وكان الذي تولى تعذيب عمه.. كان يلفه في حصير, ويدخن عليه بالنار كي تزهق أنفاسه, ويناديه وهو تحت وطأة العذاب:" أكفر برب محمد, أدرأ عنك العذاب".
فيجيبه الزبير الذي لم يكن يوم ذاك أكثر من فتى ناشئ, غضّ العظام.. يجيب عمه في تحدّ رهيب:
" لا..
والله لا أعود لكفر أبدا"...
ويهاجر الزبير إلى الحبشة, الهجرتين الأولى والثانية, ثم يعود ليشهد المشاهد كلها مع رسول الله. لا تفتقده غزوة ولا معركة.

وما أكثر الطعنات التي تلقاها جسده واحتفظ بها بعد اندمال جراحاتها, أوسمة تحكي بطولة الزبير وأمجاده..!!
ولنصغ لواحد من الصحابة رأى تلك الأوسمة التي تزدحم على جسده, يحدثنا عنها فيقول:
" صحبت الزبير بن العوّام في بعض أسفاره ورأيت جسده, فرأيته مجذّعا بالسيوف, وان في صدره لأمثال العيون الغائرة من الطعن والرمي.
فقلت له: والله لقد شهدت بجسمك ما لم أره بأحد قط.
فقال لي: أم والله ما منها جراحة إلا مع رسول الله وفي سبيل الله"..
وفي غزوة أحد بعد أن انقلب جيش قريش راجعا إلى مكة و ندبه الرسول هو وأبو بكر لتعقب جيش قريش ومطاردته حتى يروا أن المسلمين قوة فلا يفكروا في الرجوع إلى المدينة واستئناف القتال..

وقاد أبو بكر والزبير سبعين من المسلمين, وعلى الرغم من أنهم كانوا يتعقبون جيشا منتصرا فإن اللباقة الحربية التي استخدمها الصديق والزبير, جعلت قريشا تظن أنها أساءت تقدير خسائر المسلمين, وجعلتها تحسب أن هذه الطليعة القوية التي أجاد الزبير مع الصديق إبراز قوتها, وما هي إلا مقدمة لجيش الرسول الذي يبدو أنه قادم ليشن مطاردة رهيبة فأغذّت قريش سيرها, وأسرعت خطاها إلى مكة..!!

ويوم اليرموك كان الزبير جيشا وحده.. فحين رأى أكثر المقاتلين الذين كان على رأسهم يتقهقرون أمام جبال الروم الزاحفة, صاح هو" الله أكبر".. واخترق تلك الجبال الزاحفة وحده, ضاربا بسيفه.. ثم قفل راجعا وسط الصفوف الرهيبة ذاتها, وسيف يتوهج في يمينه لا يكبو, ولا يحبو..!!
وكان رضي الله عنه شديد الولع بالشهادة, عظيم الغرام بالموت في سبيل الله.
وكان يقول:
" إن طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء, وقد علم ألا نبي بعد محمد...
واني لأسمي بنيّ بأسماء الشهداء لعلهم يستشهدون".!
وهكذا سمى ولده, عبدالله بن الزبير تيمنا بالصحابي الشهيد عبدالله بن جحش.
وسمى ولده المنذر, تيمنا بالشهيد المنذر بن عمرو.
وسمى عروة تيمنا بالشهيد عروة بن عمرو.
وسمى حمزة تيمنا بالشهيد الجليل عم الرسول حمزة بن عبدالمطلب.
وسمّى جعفر, تيمنا بالشهيد الكبير جعفر بن أبي طالب.
وسمى مصعبا تيمنا بالشهيد مصعب بن عمير.
وسمى خالد تيمنا بالصحابي الشهيد خالد بن سعيد..
وهكذا راح يختار لأبنائه أسماء الشهداء. راجيا أن يكونوا يوم تأتيهم آجالهم شهداء.
ولقد قيل في تاريخه:
" انه ما ولي إمارة قط, ولا جباية, ولا خراجا ولا شيئا إلا الغزو في سبيل الله".
وكانت ميزته كمقاتل, تتمثل في اعتماده التام على نفسه, وفي ثقته التامة بها.
فلو كان يشاركه في القتال مائة ألف, لرأيته يقاتل وحده في لمعركة.. وكأن مسؤولية القتال والنصر تقع على كاهله وحده.
وكان فضيلته كمقاتل, تتمثل في الثبات, وقوة الأعصاب..
رأى مشهد خاله حمزة يوم أحد وقد كثّل المشركون بجثمانه القتيل في قسوة, فوقف أمامه كالطود ضاغطا على أسنانه, وضاغطا على قبضة سيفه, لا يفكر إلا في ثأر رهيب سرعان ما جاء الوحي ينهى الرسول والمسلمين عن مجرّد التفكير فيه..!!
وحين طال حصار بني قريظة دون أن يستسلموا أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم مع علي ابن أبي طالب, فوقف أمام الحصن المنيع يردد مع علي قوله:
" والله لنذوقنّ ما ذاق حمزة, أو لنفتحنّ عليهم حصنهم"..
ثم ألقيا بنفسيهما وحيدين داخل الحصن..
وبقوة أعصاب مذهلة, أحكما إنزال الرعب في أفئدة المتحصنين داخله وفتحا أبوابه للمسلمين..!!
ويوم حنين أبصر مالك بن عوف زعيم هوزان وقائد جيش الشرك في تلك الغزوة.. أبصره بعد هزيمتهم في حنين واقفا وسط فيلق من أصحابه, وبقايا جيشه المنهزم, فاقتحم حشدهم وحده, وشتت شملهم وحده, وأزاحهم عن المكمن الذي كانوا يتربصون فيه ببعض زعماء المسلمين, العائدين من المعركة..!!

ولقد كان حظه من حب الرسول وتقديره عظيما..
وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يباهي به ويقول:
" إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير ن العوّام"..
ذلك أنه لم يكن ابن عمته وحسب, ولا زوج أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين, بل كان ذلك الوفي القوي, والشجاع الأبيّ, والجوّاد السخيّ, والبائع نفسه وماله لله رب العالمين:
ولقد أجاد حسان بن ثابت وصفه حين قال:
أقام على عهد النبي وهديــــــــــــه حواريّـــــــــه والقول بالفعل يعدل
أقام على منهاجــــــــــــــه وطريقه يــــوالي وليّ الحق, والحق أعدل
هو الفارس المشهور والبطل الذي يصـــــــول, اذا ما كان يوم محجّل
له من رسول الله قربى قريبــــــــة ومن نصـــــرة الإسلام مجد موثّل
فكم كربـــــــــــة ذبّ الزبير بسيفه عن المصطفى, والله يعطي ويجزل

وكان رفيع الخصال, عظيم الشمائل.. وكانت شجاعته وسخاؤه كفرسي رهان..!!
فلقد كان يدير تجارة رابحة ناجحة, وكان ثراؤه عريضا, ولكنه أنفقه في الإسلام حتى مات مدينا..!!
وكان توكله على الله منطلق جوده, ومنطلق شجاعته وفدائيته..
حتى وهو يجود بروحه, ويوصي ولده عبدالله بقضاء ديونه قال له:
" اذا أعجزك دين, فاستعن بمولاي"..
وسال عبدالله: أي مولى تعني..؟
فأجابه: الله, نعم المولى ونعم النصير"..
يقول عبدالله فيما بعد:
" فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقضِ دينه, فيقضيه".
وفي يوم الجمل, على النحو الذي ذكرنا في حديثنا السالف عن حياة سيدنا طلحة كانت نهاية سيدنا الزبير ومصيره..
فبعد أن رأى الحق نفض يديه من القتال, وتبعه نفر من الذين كانوا يريدون للفتنة دوام الاشتعال, وطعنه القاتل الغادر وهو بين يدي ربه يصلي..
وذهب القاتل إلى الإمام علي يظن أنه يحمل إليه بشرى حين يسمعه نبأ عدوانه على الزبير, وحين يضع بين يديه سيفه الذي استلبه منه, بعد اقتراف جريمته..
لكن عليّا صاح حين علم أن بالباب قاتل الزبير يستأذن, صاح آمرا بطرده قائلا:
" بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار"..
وحين أدخلوا عليه سيف الزبير, قبّله الإمام وأمعن بالبكاء وهو يقول:
" سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله"..!!

أهناك تحيّة نوجهها للزبير في ختام حديثنا عنه, أجمل وأجزل من كلمات الإمام..؟؟
سلام على الزبير في مماته بعد محياه..
سلام, ثم سلام, على حواري رسول الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:29 am

الطفيل بن عمرو الدوسري ( الفطرة الراشدة )

في أرض دوس نشأ بين أسرة شريفة كريمة..
وأوتي موهبة الشعر, فطار بين القبائل صيته ونبوغه..
وفي مواسم عكاظ حيث يأتي الشعراء العرب من كل فج ويحتشدون ويتباهون بشعرائهم, كان الطفيل يأخذ مكانه في المقدمة..

كما كان يتردد على مكة كثيرا في غير مواسم عكاظ..
وذات مرة كان يزورها, وقد شرع الرسول يجهر بدعوته..
وخشيت قريش أن يلقاه الطفيل ويسلم, ثم يضع موهبته الشعرية في خدمة الإسلام, فتكون الطامة على قريش وأصنامها..
من أجل ذلك أحاطوا به.. وهيئوا له من الضيافة كل أسباب الترف والبهجة والنعيم, ثم راحوا يحذرونه لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويقولون له:
" إن له قولا كالسحر, يفرّق بين الرجل وأبيه.. والرجل وأخيه.. والرجل وزوجته.. وإنا نخشى عليك وعلى قومك منه, فلا تكلمه ولا تسمع منه حديثا"..!!
ولنصغ للطفيل ذاته يروي لنا بقية النبأ فيقول:
" فوالله ما زالوا بي حتى عزمت ألا أسمع منه شيئا ولا ألقاه..
وحين غدوت إلى الكعبة حشوت أذنيّ كرسفا كي لا أسمع شيئا من قوله اذا هو تحدث..
وهناك وجدته قائما يصلي عند الكعبة, فقمت قريبا منه, فأبي الله إلا أن يسمعني بعض ما يقرأ, فسمعت كلاما حسنا..
وقلت لنفسي: واثكل أمي.. والله إني لرجل لبيب شاعر, لا يخفى عليّ الحسن من القبيح, فما يمنعني أن أسمع من الرجل ما يقول, فان كان الذي يأتي به حسن قبلته, وان كان قبيحا رفضته.
ومكثت حتى انصرف إلى بيته, فاتبعته حتى دخل بيته, فدخلت وراءه, وقلت له: يا محمد, إن قومك قد حدثوني عنك كذا وكذا.. فوالله ما برحوا يخوّفوني أمرك حتى سددت أذنيّ بكرسف لئلا أسمع قولك..
ولكن الله شاء أن أسمع, فسمعت قولا حسنا, فاعرض عليّ أمرك..
فعرض الرسول عليّ الإسلام, وتلا عليّ من القرآن..
فأسلمت, وشهدت شهادة الحق, وقلت: يا رسول الله: إني امرؤ مطاع في قومي واني راجع إليهم, وداعيهم إلى الإسلام, فادع الله أن يجعل لي آية تكون عونا لي فيما أدعوهم إليه, فقال عليه السلام: اللهم اجعل له آية"..

لقد أثنى الله تعالى في كتابه على " الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه"..
وها نحن أولاء نلتقي بواحد من هؤلاء..
انه صورة صادقة من صور الفطرة الرشيدة..
فما كاد سمعه يلتقط بعض آيات الرشد والخير التي أنزلها الله على فؤاد رسوله, حتى تفتح كل سمعه, وكل قلبه. وحتى بسط يمينه مبايعا.. ليس ذلك فحسب.. بل حمّل نفسه من فوره مسؤولية دعوة قومه وأهله إلى هذا الدين الحق, والصراط المستقيم..!

من أجل هذا, نراه لا يكاد يبلغ بلده وداره في أرض دوس حتى يواجه أباه بالذي من قلبه من عقيدة وإصرار, ويدعو أباه إلى الإسلام بعد أن حدّثه عن الرسول الذي يدعو إلى الله.. حدثه عن عظمته.. وعن طهره وأمانته.. عن إخلاصه وإخباته لله رب العالمين..
وأسلم أبوه في الحال..
ثم انتقل إلى أمه, فأسلمت
ثم إلى زوجه, فأسلمت..
ولما إطمأن إلى أن الإسلام قد غمر بيته, انتقل إلى عشيرته, والى أهل دوس جميعا.. فلم يسلم منهم أحد سوى أبي هريرة رضي الله عنه..
ولقد راحوا يخذلونه, وينأون عنه, حتى نفذ صبره معهم وعليهم. فركب راحلته, وقطع الفيافي عائدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو إليه ويتزوّد منه بتعاليمه..
وحين نزل مكة, سارع إلى دار الرسول تحدوه أشواقه..
وقال للنبي:
" يا رسول الله..
انه غلبني على دوس الزنا, والربا, فادع الله أن يهلك دوسا"..!!
وكانت مفاجأة أذهلت الطفيل حين رأى الرسول يرفع كفيه إلى السماء وهو يقول:
" اللهم أهد دوسا وأت بهم مسلمين"..!!
ثم التفت إلى الطفيل وقال له:
" ارجع إلى قومك فادعهم وأرفق بهم".

ملأ هذا المشهد نفس الطفيل روعة, وملأ روحه سلاما, وحمد اله أبلغ الحمد أن جعل هذا الرسول الإنسان الرحيم معلمه وأستاذه. وأن جعل الإسلام دينه وملاذه.
ونهض عائدا إلى أرضه وقومه وهناك راح يدعوهم إلى الإسلام في أناة ورفق, كما أوصاه الرسول عليه السلام.
وخلال الفترة التي قضاها بين قومه, كان الرسول قد هاجر إلى المدينة وكانت قد وقعت غزوة بدر, أحد والخندق.
وبينما رسول الله في خيبر بعد أن فتحها الله على المسلمين اذا موكب حافل ينتظم ثمانين أسرة من دوس أقبلوا على الرسول مهللين مكبّرين ..
وبينما جلسوا يبايعون تباعا..
ولما فرغوا من مشهدهم الحافل, وبيعتهم المباركة جلس الطفيل بن عمرو مع نفسه يسترجع ذكرياته ويتأمل خطاه على الطريق..!!
تذكر يوم قدوم الرسول يسأله أن يرفع كفيه إلى السماء ويقول:
اللهم اهلك دوسا, فإذا هو يبتهل بدعاء آخر أثار يومئذ عجبه..
ذلك هو:
" اللهم أهد دوسا وإت بهم مسلمين"..!!
ولقد هدى الله دوسا..
وجاء بهم مسلمين..
وها هم أولاء.. ثمانون بيتا, وعائلة منهم, يشكلون أكثرية أهلها, يأخذون مكانهم في الصفوف الطاهرة خلف رسول الله الأمين.

ويواصل الطفيل عمله مع الجماعة المؤمنة..
ويوم فتح مكة, كان يدخلها مع عشرة آلاف مسلم لا يثنون أعطافهم زهوا وصلفا, بل يحنون جباههم في خشوع وإذلال, شكرا لله الذي أثابهم فتحا قريبا, ونصرا مبينا..
ورأى الطفيل رسول الله وهو يهدم أصنام الكعبة, ويطهرها بيده من ذلك الرجس الذي طال مداه..
وتذكر الدوسي من فوره صنما كان لعمرو بن حممة. طالما كان عمرو هذا يصطحبه إليه حين ينزل ضيافته, فيتخشّع بين يديه, ويتضرّع إليه..!!
الآن حانت الفرصة ليمحو الطفيل عن نفسه إثم تلك الأيام.. هنالك تقدم من الرسول عليه الصلاة والسلام يستأذنه في أن يذهب ليحرق صنم عمرو بن حممة وكان هذا الصنم يدعى, ذا الكفين, وأذن له النبي عليه السلام..
ويذهب الطفيل ويوقد عليه النار.. وكلما خبت زادها ضراما وهو ينشد ويقول:
يا ذا الكفين لست من عبّادكـــا
ميلادنا أقدم من ميلادكــــــــا!!
إني حشوت النار في فؤادكـــــا

وهكذا عاش مع النبي يصلي وراءه, ويتعلم منه, ويغزو معه.
وينتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى, فيرى الطفيل أن مسؤوليته كمسلم لم تنته بموت الرسول, بل إنها لتكاد تبدأ..
وهكذا لم تكد حروب الردة تنشب حتى كان الطفيل يشمّر لها عن ساعد وساق, وحتى كان يخوض غمراتها وأهوالها في حنان مشتاق إلى الشهادة..
اشترك في حروب الردة حربا.. حربا..
وفي موقعة اليمامة خرج مع المسلمين مصطحبا معه ابنه عمرو بن الطفيل".
ومع بدء المعركة راح يوصي ابنه أن يقاتل جيش مسيلمة الكذاب قتال من يريد الموت والشهادة..
وأنبأه أنه يحس أنه سيموت في هذه المعركة.
وهكذا حمل سيفه وخاض القتال في تفان مجيد..
لم يكن يدافع بسيفه عن حياته.
بل كان يدافع بحياته عن سيفه.
حتى إذا مات وسقط جسده, بقي السيف سليما مرهفا لتضرب به يد أخرى لم يسقط صاحبها بعد..!!
وفي تلك الموقعة استشهد الطفيل الدوسي رضي الله عنه..
وهو جسده تحت وقع الطعان, وهو يلوّح لابنه الذي لم يكن يراه وسط الزحام..!!
يلوّح له وكأنه يهيب به ليتبعه ويلحق به..
ولقد لحق به فعلا.. ولكن بعد حين..
ففي موقعة اليرموك بالشام خرج عمرو بن الطفيل مجاهدا وقضى نحبه شهيدا..
وكان وهو يجود بأنفاسه, يبسط ذراعه اليمنى ويفتح كفه, كما لو كان سيصافح بها أحدا.. ومن يدري..؟؟
لعله ساعتئذ كان يصافح روح أبيه..!!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:29 am

العباس بن عبد المطلب ( ساقي الحرمين )

في عام الرمادة, وحيث أصاب العباد والبلاد قحط وبيل, خرج أمير المؤمنين عمر والمسلمون معه إلى الفضاء الرحب يصلون صلاة الاستسقاء, ويضرعون إلى الله الرحيم أن يرسل إليهم الغيث والمطر..
ووقف عمر وقد أمسك يمين العباس بيمينه, ورفعها صوب السماء وقال:
" اللهم إنا كنا نسقى بنبيك وهو بيننا..
اللهم وإنا اليوم نستسقي بعمّ نبيّك فاسقنا"..
ولم يغادر المسلمون مكانهم حتى حاءهم الغيث, وهطل المطر, يزفّ البشرى, ويمنح الريّ, ويخصب الأرض..
وأقبل الأصحاب على العباس يعانقونه, ويقبّلونه, ويتبركون به وهم يقولون:
" هنئا لك..
ساقي الحرمين"..
فمن كان ساقي الحرمين هذا..؟؟
ومن ذا الذي توسل به عمر إلى الله.. و من نعرف تقى وسبقا ومكانة عند الله ورسوله ولدى المؤمنين..؟؟
انه العباس عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم..
كان الرسول يجلّه بقدر ما كان يحبه, وكان يمتدحه ويطري سجاياه قائلا:
" هذه بقيّة آبائي"..

هذا العباس بن عبد المطلب أجود قريش كفا وأوصلها"..!!
وكما كان حمزة عمّ الرسول وتربه, كذلك كان العباس رضي الله عنه فلم يكن يفصل بينهما في سنوات العمر سوى سنتين أو ثلاث, تزيد في عمر العباس عن عمر الرسول..
وهكذا كان محمد, والعباس عمه, طفلين من سن واحدة, وشابين من جيل واحد..
فلم تكن القرابة القريبة وحدها, آصرة ما بينهما من ودّ, بل كانت كذلك زمالة السنّ,وصداقة العمر..
وشيء آخر نضعه معايير النبي في المكان الأول دوما.. ذلك هو خلق العباس وسجاياه..
فلقد كان العباس جوّادا, مفرط الجود, حتى كأنه للمكارم عمّها أو خالها..!!
وكان وصولا للرحم والأهل, لا يضنّ عليهما بجهد ولا بجاه, ولا بمال...
وكان إلى هذه وتلك, فطنا إلى حدّ الدهاء, وبفطنته هذه التي تعززها مكانته الرفيعة في قريش, استطاع أن يدرأ عن الرسول عليه الصلاة والسلام حين يجهر بدعوته الكثير من الأذى والسوء..

كان حمزة كما رأينا في حديثنا عنه من قبل يعالج بغي قريش, وصلف أبي جهل بسيفه الماحق..
أما العباس فكان يعالجها بفطنة ودهاء أدّيا للإسلام من لنفع مثلما أدّت السيوف المدافعة عن حقه وحماه..!!

فالعباس لم يعلن إسلامه إلا عام فتح مكة, مما جعل بعض المؤرخين يعدونه مع الذين تأخر إسلامه..
بيد أن روايات أخرى من التاريخ تنبئ بأنه كان من المسلمين المبكّرين, غير أنه كان يكتم إسلامه..
يقول أبو رافع خادم الرسول صلى الله عليه وسلم:
" كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب, وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت, فأسلم العباس, وأسلمت أم الفضل, وأسلمت... وكان العباس يكتم إسلامه"..
هذه رواية أبو رافع يتحدث بها عن حال العباس وإسلامه قبل غزوة بدر..
كان العباس إذن مسلما..
وكان مقامه بمكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه خطة أدت غايتها على خير نسق..
ولم تكن قريش تخفي شكوكها في نوايا العباس ولكنها أيضا لم تكن تجد سبيلا لمحادّته, لا سيما وهو في ظاهر أمره على ما يرضون من منهج ودين..
حتى اذا جاءت غزوة بدر رأتها قريش فرصة تبلو بها سريرة العباس وحقيقته..
والعباس أدهى من أن يغفل عن اتجاهات ذلك المكر السيئ الذي تعالج به قريش حسراتها, وتنسج به مؤامراتها..
ولئن كان قد نجح في إبلاغ النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أنباء قريش وتحرّكاتها, فان قريشا ستنجح في دفعه إلى معركة لا يؤمن بها ولا يريدها.. بيد أنه نجاح موقوت لن يلبث حتى ينقلب على القرشيين خسارا وبوارا..
ويلتقي الجمعان في غزوة بدر..
وتصطك السيوف في عنفوان رهيب, مقررة مصير كل جمع, وكل فريق..
وينادي الرسول في أصحابه قائلا:
" إن رجالا من بني هاشم, ومن غير بني هاشم, قد أخرجوا كرها, لا حاجة لهم بقتالنا.. فمن لقي منكم أحدهم فلا يقتله..
ومن لقي البختريّ بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله..
ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله, فانه إنما أخرج مستكرها"..
لم يكن الرسول بأمره هذا يخصّ عمّه العباس بميّزة, فما تلك مناسبة المزايا, ولا هذا وقتها..
وليس محمد عليه الصلاة والسلام من يرى رؤوس أصحابه تتهاوى في معرة الحق, ثم يشفع والقتال دائر لعمه, لو كان يعلم أن عمه من المشركين..
أجل..
إن الرسول الذي نهى عن أن يستغفر لعمه أبي طالب على كثرة ما أسدى أبو طالب له وللإسلام من أياد وتضحيات..
ليس هو منطقا وبداهة من يجيء في غزوة بدر ليقول لمن يقتلون آباءهم وإخوانهم من المشركين: استثنوا عمي ولا تقتلوه..!!
أما اذا كان الرسول يعلم حقيقة عمه, ويعلم أنه يطوي على الإسلام صدره, كما يعلم أكثر من غيره, الخدمات غير المنظورة التي أدّاها للإسلام.. كما يعلم أخيرا أنه خرج مكرها ومحرجا فآنئذ يصير من واجبه أن ينقذ من هذا شأنه, وأن يعصم من القتل دمه ما استطاع لهذا سبيلا..

وإذا كان أبو البختري بن حارث وهذا شأنه, قد ظفر بشفاعة الرسول لدمه حتى لا يهدر, ولحياته كي لا تزهق..
أفلا يكون جديرا بهذه الشفاعة, مسلم يكتم إسلامه... ورجل له في نصرة الإسلام مواقف مشهودة, وأخرى طوي عليها ستر الخفاء..؟؟
بلى..ولقد كان العباس ذلك المسلم, وذلك النصير.
ولنعد إلى الوراء قليلا لنرى..

في بيعة العقبة الثانية عندما قدم مكة في موسم الحاج وفد الأنصار, ثلاثة وسبعون رجلا وسيدتان, ليعطوا الله ورسوله بيعتهم, وليتفقوا مع النبي عليه الصلاة والسلام على الهجرة إلى المدينة, أنهى الرسول إلى عمه العباس نبأ هذا الوفد, وهذه البيعة.. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يثق بعمه في رأيه كله..
ولما جاء موعد اللقاء الذي انعقد سرا وخفية, خرج الرسول وعمه العباس إلى حيث الأنصار ينتظرون..
وأراد العباس أن يعجم عود القوم ويتوثق للنبي منهم..
ولندع واحدا من أعضاء الوفد يروي لنا النبأ, كما سمع ورأى.. ذلكم هو كعب بن مالك رضي الله عنه:
".. وجلسنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب.. وتكلم العباس فقال: يا معشر الخزرج, إن محمدا منا حيث قد علمتم, وقد منعناه من قومنا فهو في عز من قومه ومنعة في بلده, وانه أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم..
فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه, ومانعوه ممن خالفه, فأنتم وما تحملتم من ذلك..
وان كنتم ترون أنكم مسلموه خاذلوه بعد خروجه إليكم, فمن الآن فدعوه"..

كان العباس يلقي بكلماته الحازمة هذه, وعيناه تحدقان كعيني الصقر في وجوه النصر.. يتتبع وقع الكلام وردود فعله العاجلة..
ولم يكتف العباس بهذا, فذكاؤه العظيم ذكاء عملي يتقصّى الحقيقة في مجالها المادي, ويواجه كل أبعادها مواجهة الحاسب الخبير..

هناك استأنف حديثه مع الأنصار بسؤال ذكي ألقاه, ذلك هو:
" صفوا لي الحرب, كيف تقاتلون عدوّكم"!!؟؟
إن العباس بفطنته وتجربته مع قريش يدرك أن الحرب لا محالة قادمة بين الإسلام والشرك, فقريش لن تتنازل عن دينها ومجدها وعنادها.
والإسلام ما دام حقا لن يتنازل للباطل عن حقوقه المشروعة..
فهل الأنصار, أهل المدينة صامدون للحرب حين تقوم..؟؟
وهل هم من الناحية الفنية, أكفاء لقريش, يجيدون فنّ الكرّ والفرّ والقتال..؟؟
من اجل هذا ألقى سؤاله السالف:
" صفوا لي الحرب, كيف تقاتلون عدوّكم"..؟؟
كان الأنصار الذين يصغون للعباس رجالا كالأطواد...
ولم يكد العباس يفرغ من حديثه, لا سيما ذلك السؤال المثير الحافز حتى شرع الأنصار يتكلمون..
وبدأ عبدالله بن عمرو بن حرام مجيبا على السؤال:
" نحن, والله, أهل الحرب.. غذينا بها,ومرّنا عليها, وورثناها عن آبائنا كابرا فكابر..
نرمي بالنبل حتى تفنى..
ثم نطاعن بالرماح حتى تنكسر..
ثم نمشي بالسيوف, فنضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا"..!!
وأجاب العباس متهللا:
" أنتم أصحاب حرب إذن, فهل فيكم دروع"..؟؟
قالوا:
" نعم.. لدينا دروع شاملة"..
ثم دار حديث رائع وعظيم بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين الأنصار.. حديث سنعرض له إن شاء الله فيما بعد.

هذا موقف العباس في بيعة العقبة..
وسواء عليه أكان يومئذ اعتنق الإسلام سرا, أم كان لا يزال يفكّر, فان موقفه العظيم هذا يحدد مكانه بين قوى الظلام الغارب, والشروق المقبل,
ويصوّر أبعاد رجولته ورسوخه..!!

ويوم يجيء حنين ليؤكد فدائية هذا الهادئ السمت, اللين الجانب, حينما تدعو الحاجة إليها, ويهيب المواقف بها, بينما هي في غير ذلك الظرف الملحّ, مستكنّة تحت الأضلاع, متوارية عن الأضواء..!!

في السنة الثامنة للهجرة, وبعد أن فتح الله مكة لرسوله ولدينه عز بعض القبائل السائدة في الجزيرة العربية أن يحقق الدين الجديد كل هذا النصر بهذه السرعة..
فاجتمعت قبائل هوزان وثقيف ونصر وجشم وآخرون. وقرروا شنّ حرب حاسمة ضدّ الرسول والمسلمين..
إن كلمة قبائل لا ينبغي أن تخدعنا عن طبيعة تلك الحروب التي كان يخوضها الرسول طوال حياته. فنظن أنها كانت مجرّد مناوشات جبلية صغيرة, فليس هناك حروب أشدّ ضراوة من حروب تلك القبائل في معاقلها..!!
وإدراك هذه الحقيقة لا يعطينا تقديرا سديدا للجهد الخارق الذي بذله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فحسب, بل يعطينا تقديرا صحيحا وأمينا لقيمة النصر العظيم الذي أحرزه الإسلام والمؤمنون, ورؤية واضحة لتوفيق الله الماثل في هذا النجاح وذلك الانتصار..

احتشدت تلك القبائل في صفوف لجبة من المقاتلين الأشدّاء..
وخرج إليهم المسلمون في اثني عشر ألفا..
اثنا عشر ألفا..؟؟
وممن..؟؟
من الذين فتحوا مكة بالأمس القريب, وشيعوا الشرك والأصنام إلى هاويتها الأخيرة والسحيقة, وارتفعت راياتهم تملأ الأفق دون مشاغب عليها أو مزاحم لها..!!
هذا شيء يبعث الزهو..
والمسلمون في آخر المطاف بشر, ومن ثم, فقد ضعفوا أمام الزهو الذي ابتعثته كثرتهم ونظامهم, وانتصارهم بمكة, وقالوا:
" لن نغلب اليوم عن قلة".
ولما كانت السماء تعدّهم لغاية أجلّ من الحرب وأسمى, فان ركونهم إلى قوتهم العسكرية, وزهوهم بانتصارهم الحربي, عمل غير صالح ينبغي أن يبرؤوا منه سريعا, ولو بصدمة شافية..
وكانت الصدمة الشافية هزيمة كبرى مباغتة في أول القتال, حتى اذا ضرعوا إلى الله, وبرؤوا من حولهم إلى حوله, ومن قوتهم إلى قوته, انقلبت الهزيمة نصرا, ونزل القرآن الكريم يقول للمسلمين:
(.. ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا, وضاقت الأرض بما رحبت, ثم وليتم مدبرين. ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين, وأنزل جنودا لم تروها, وعذب الذين كفروا, وذلك جزاء الكافرين)..

كان صوت العباس يومئذ وثباته من ألمع مظاهر السكينة والاستبسال..
فبينما كان المسلمون مجتمعين في أحد أودية تهامة ينتظرون مجيء عدوّهم, كان المشركون قد سبقوهم إلى الوادي وكمنوا لهم في شعابه وأنحائه, شاحذين أسلحتهم, ممسكين زمام المبادرة بأيديهم..
وعلى حين غفلة, انقضّوا على المسلمين في مفاجأة مذهلة, جعلتهم يهرعون بعيدا, لا يلوي أحد على أحد..
ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثه الهجوم المفاجئ الخاطف على المسلمين, فعلا صهوة بغلته البيضاء, وصاح:
" إلى أين أيها الناس..؟؟
هلموا إليّ..
أنا النبي لا كذب..
أنا ابن عبد المطلب"..
لم يكن حول النبي ساعتئذ سوى أبي بكر, وعمر, وعلي بن أبي طالب, والعباس بن عبد المطلب, وولده الفضل بن العباس, وجعفر بن الحارث, وربيعة بن الحارث, وأسامة بن زيد, وأيمن بن عبيد, وقلة أخرى من الأصحاب..
وكان هناك سيدة أخذت مكانا عاليا بين الرجال والأبطال..
تلك هي أم سليم بنت ملحان..
رأت ذهول المسلمين وارتباكهم, فركبت جمل زوجها أبي طلحة رضي الله عنهما, وهرولت بها نحو الرسول..
ولما تحرك جنينها في بطنها, وكانت حاملا, خلعت بردتها وشدّت بها على بطنها في حزام وثيق, ولما انتهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاهرة خنجرا في يمينها ابتسم لها الرسول وقال:
" أم سليم؟؟"..
قالت: " نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله..
اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك, كما تقتل الذين يقاتلونك, فإنهم لذلك أهل"..
وازدادت البسمة ألقا على وجه الرسول الواثق بوعد ربه وقال لها:
" إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم"..!!

هناك ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف, كان العباس إلى جواره, بل كان بين قدميه بخطام بغلته يتحدى الموت والخطر..
وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصرخ في الناس, وكان العباس جسيما جهوري الصوت, فراح ينادي:
" يا معشر الأنصار..
يا أصحاب البيعة"...
وكأنما كان صوته داعي القدر ونذيره..
فما كاد يقرع أسماع المرتاعين من هول المفاجأة, المشتتين في جنبات الوادي, حتى أجابوا في صوت واحد:
" لبّيك.. لبّيك"..
وانقلبوا راجعين كالإعصار, حتى إن أحدهم ليحرن بعيره أو فرسه, فيقتحم عنها ويترجل, حاملا درعه وسيفه وقوسه, ميممّا صوب موت العباس..
ودارت المعركة من جديد.. ضارية, عاتية..
وصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الآن حمي الوطيس"..
وحمي الوطيس حقا..
وتدحرج قتلى هوزان وثقيف, وغلبت خيل الله خيل اللات, وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين..!!!

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العباس عمه حبا كبيرا, حتى إنه لم ينم يوم انتهت غزوة بدر, وقضى عمه ليله في الأسر..
ولم يخف النبي عليه السلام عاطفته هذه, فحين سئل عن سبب أرقه, وقد نصره الله نصرا مؤزرا أجاب:
" سمعت أنين العباس في وثاقه"..
وسمع بعض المسلمين كلمات الرسول, فأسرع إلى مكان الأسرى, وحلّ وثاق العباس, وعاد فأخبر الرسول قائلا:
" يا رسول الله..
إني أرخيت من وثاق العباس شيئا"..
ولكن لماذا وثاق العباس وحده..؟
هنالك قال الرسول لصاحبه:
" اذهب, فافعل ذلك بالأسرى جميعا".
أجل فحب النبي صلى الله عليه وسلم لعمه لا يعني أن يميزه عن الناس الذين تجمعهم معه ظروف مماثلة..
وعندما تقرر أخذ الفدية من الأسرى, قال الرسول لعمه:
" يا عباس..
افد نفسك, وابن أخيك عقيل بن أبي طالب, ونوفل بن الحارث, وحليفك عتبة بن عمرو وأخا بني الحارث بن فهر, فانك ذومال"..
وأرد العباس أن يغادر أسره بلا فدية, قائلا:
" يا رسول الله, إني كنت مسلما, ولكن القوم استكرهوني"..
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أصرّ على الفدية, ونزل لقرآن الكريم في هذه المناسبة يقول:
" يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم, والله غفور رحيم".
وهكذا فدى العباس نفسه ومن معه, وقفل راجعا إلى مكة.. ولم تخدعه قريش بعد ذلك عن عقله وهداه, فبعد حين جمع ماله وحمل متاعه, وأدرك الرسول بخيبر, ليأخذ مكانه في موكب الإسلام, وقافلة المؤمنين.. وصار موضع حب المسلمين وإجلالهم العظيم, لا سيما وهم يرون تكريم الرسول له وحبه إياه وقوله عنه:
" إنما العباس صنو أبي..
فمن آذى العباس فقد آذاني".
وأنجب العباس ذريّة مباركة.
وكان حبر الأمة عبدالله بن عباس واحدا من هؤلاء الأبناء المباركين.

وفي يوم الجمعة لأربع عشرة سنة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين سمع أهل العوالي بالمدينة مناديا ينادي:
" رحم الله من شهد العباس بن عبد المطلب".
فأدركوا أن العباس قد مات..
وخرج الناس لتشييعه في أعداد هائلة لم تعهد المدينة مثلها..
وصلى عليه خليفة المسلمين يومئذ عثمان رضي الله عنه.
وتحت ثرى البقيع هدأ جثمان أبي الفضل واستراح..
ونام قرير العين, بين الأبرار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه!!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:30 am

المقداد بن عمرو ( أول فرسان الإسلام )

تحدث عنه أصحابه ورفاقه فقالوا:
" أول من عدا به فرسه في سبيل الله, المقداد بن الأسود..
والمقداد بن الأسود, هو بطلنا هذا المقداد بن عمرو كان قد حالف في الجاهلية الأسود بن عبد يغوث فتبناه, فصار يدعى المقداد بن الأسود, حتى إذا نزلت الآية الكريمة التي تنسخ التبني, نسب لأبيه عمرو بن سعد..
والمقداد من المبكّرين بالإسلام, وسابع سبعة جاهروا بإسلامهم وأعلنوه, حاملا نصيبه من أذى قريش ونقمتها, فيه شجاعة الرجال وغبطة الحواريين..!!
ولسوف يظل موقفه يوم بدر لوحة رائعة كل من رآه لو أنه كان صاحب هذا الموقف العظيم..
يقول عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله:
" لقد شهدت من المقداد مشهدا, لأن أكون صاحبه, أحبّ إليّ مما في الأرض جميعا".
في ذلك اليوم الذي بدأ عصيبا.ز حيث أقبلت قريش في بأسها الشديد وإصرارها العنيد, وخيلائها وكبريائها..
في ذلك اليوم.. والمسلمون قلة, لم يمتحنوا من قبل في قتال من أجل الإسلام, فهذه أول غزوة لهم يخوضونها..
ووقف الرسول يعج إيمان الذين معه, ويبلوا استعدادهم لملاقاة الجيش الزاحف عليهم في مشاته وفرسانه..
وراح يشاورهم في الأمر, وأصحاب الرسول يعلمون أنه حين يطلب المشورة والرأي, فانه يفعل ذلك حقا, وأنه يطلب من كل واحد حقيقة اقتناعه وحقيقة رأيه, فان قال قائلهم رأيا يغاير رأي الجماعة كلها, ويخالفها فلا حرج عليه ولا تثريب..

وخاف المقداد أن يكون بين المسلمين من له بشأن المعركة تحفظات... وقبل أن يسبقه أحد بالحديث همّ هو بالسبق ليصوغ بكلماته القاطعة شعار المعركة, ويسهم في تشكيل ضميرها.
ولكنه قبل أن يحرك شفتيه, كان أبو بكر الصديق قد شرع يتكلم فاطمأن المقداد كثيرا.. وقال أبو بكر فأحسن, وتلاه عمر بن الخطاب فقل وأحسن..
ثم تقدم المقداد وقال:
" يا رسول الله..
امض لما أراك الله, فنحن معك..
والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى
اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون..
بل نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون..!!
والذي بعثك بالحق, لو سرت بنا إلى برك العماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. ولنقاتلن عن يمينك وعن يسارك وبين يديك ومن خلفك حتى يفتح الله لك".. انطلقت الكلمات كالرصاص المقذوف.. وتهلل وجه رسول الله وأشرق فمه عن دعوة صالحة دعاها للمقداد.. وسرت في الحشد الصالح المؤمن حماسة الكلمات الفاضلة التي أطلقها المقداد بن عمرو والتي حددت بقوتها وإقناعها نوع القول لمن أراد قولا.. وطراز الحديث لمن يريد حديثا..!!

أجل لقد بلغت كلمات المقداد غايتها من أفئدة المؤمنين, فقام سعد بن معاذ زعيم الأنصار, وقال:
" يا رسول الله..
لقد آمنا بك وصدّقناك, وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحق.. وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا, فامض يا رسول الله لما أردت, فنحن معك.. والذي بعثك بالحق.. لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك, ما تخلف منا رجل واحد, وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا..
إنا لصبر في الحرب, صدق في اللقاء.. ولعل الله يريك منا ما تقر عينك.. فسر على بركة الله"..
وامتلأ قلب الرسول بشرا..
وقال لأصحابه:" سيروا وأبشروا"..
والتقى الجمعان..
وكان من فرسان المسلمين يومئذ ثلاثة لا غير: المقداد بن عمرو, ومرثد بن أبي مرثد, والزبير بن العوّام, بينما كان بقية المجاهدين مشاة, أو راكبين إبلا..

إن كلمات المقداد التي مرّت بنا من قبل, لا تصور شجاعته فحسب, بل تصور لنا حكمته الراجحة, وتفكيره العميق..
وكذلك كان المقداد..
كان حكيما أريبا, ولم تكن حمته تعبّر عن نفسها في مجرّد كلمات, بل هي تعبّر عن نفسها في مبادئ نافذة, وسلوك قويم مطرّد. وكانت تجاربه قوتا لحكته وريا لفطنته..

ولاه الرسول على إحدى الولايات يوما, فلما رجع سأله النبي:
" كيف وجدت الإمارة"..؟؟
فأجاب في صدق عظيم:
" لقد جعلتني أنظر إلى نفسي كما لو كنت فوق الناس, وهم جميعا دوني..
والذي بعثك بالحق, لا أتأمرّن على اثنين بعد اليوم, أبدا"..
وإذا لم تكن هذه الحكمة فماذا تكون..؟
وإذا لم يكن هذا هو الحكيم فمن يكون..؟
رجل لا يخدع عن نفسه, ولا عن ضعفه..
يلي الإمارة, فيغشى نفسه الزهو والصلف, ويكتشف في نفسه هذا الضعف, فيقسم ليجنّبها مظانه, وليرفض الإمارة بعد تلك التجربة ويتحاماها.. ثم يبر بقسمه فلا يكون أميرا بعد ذلك أبدا..!!
لقد كان دائب التغني بحديث سمعه من رسول الله.. هو ذا:
" إن السعيد لمن جنّب الفتن"..
وإذا كان قد رأى في الإمارة زهوا يفتنه, أو يكاد يفتنه, فان سعادته إذن في تجنبها..
ومن مظاهر حكمته, طول أناته في الحكم على الرجال..
وهذه أيضا تعلمها من رسول الله.. فقد علمهم عليه السلام أن قلب ابن آدم أسرع تقلبا من القدر حين تغلي..

وكان المقداد يرجئ حكمه الأخير على الناس إلى لحظة الموت, ليتأكد أن هذا الذي يريد أن يصدر عليه حكمه لن يتغير ولن يطرأ على حياته جديد.. وأي تغيّر, أو أي جديد بعد الموت..؟؟
وتتألق حكمته في حنكة بالغة خلال هذا الحوار الذي ينقله إلينا أحد أصحابه وجلسائه, يقول:

" جلسنا إلى المقداد يوما فمرّ به رجل..
فقال مخاطبا المقداد: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم..
والله لوددنا أن رأينا ما رأيت, وشهدنا ما شهدت فأقبل عليه المقداد وقال:
ما يحمل أحدكم على أن يتمنى مشهدا غيّبه الله عنه, لا يدري لو شهده كيف كان يصير فيه؟؟ والله, لقد عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام كبّهم الله عز وجل على مناخرهم في جهنم. أولا تحمدون الله الذي جنّبكم مثلا بلائهم, وأخرجكم مؤمنين بربكم ونبيكم"..

حكمة وأية حكمة..!!
إنك لا تلتقي بمؤمن يحب الله ورسوله, إلا وتجده يتمنى لو أنه عاش أيام الرسول ورآه..!
ولكن بصيرة المقداد الحاذق الحكيم تكشف البعد المفقود في هذه الأمنية..
ألم يكن من المحتمل لهذا الذي يتمنى لو أنه عاش تلك الأيام.. أن يكون من أصحاب الجحيم..
ألم يكون من المحتمل أن يكفر مع الكافرين.
وأليس من الخير إذن أن يحمد الله الذي رزقه الحياة في عصور استقرّ فيها الإسلام, فأخذه صفوا عفوا..
هذه نظرة المقداد, تتألق حكمة وفطنة.. وفي كل مواقفه, وتجاربه, وكلماته, كان الأريب الحكيم..

وكان حب المقداد للإسلام عظيما..
وكان إلى جانب ذلك, واعيا حكيما..
والحب حين يكون عظيما وحكيما, فانه يجعل من صاحبه إنسانا عليّا, لا يجد غبطة هذا الحب في ذاته.. بل في مسؤولياته..
والمقداد بن عمرو من هذا الطراز..
فحبه الرسول. ملأ قلبه وشعوره بمسؤولياته عن سلامة الرسول, ولم يكن تسمع في المدينة فزعة, إلا ويكون المقداد في مثل لمح البصر واقفا على باب رسول الله ممتطيا صهوة فرسه, ممتشقا مهنّده وحسامه..!!
وحبه للإسلام, ملأ قلبه بمسؤولياته عن حماية الإسلام.. ليس فقط من كيد أعدائه.. بل ومن خطأ أصدقائه..

خرج يوما في سريّة, تمكن العدو فيها من حصارهم, فأصدر أمير السرية أمره بألا يرعى أحد دابته.. ولكن أحد المسلمين لم يحط بالأمر خبرا, فخالفه, فتلقى من الأمير عقوبة أكثر مما يستحق, لعله لا يستحقها على الإطلاق..
فمر المقداد بالرجل يبكي ويصيح, فسأله, فأنبأه ما حدث
فأخذ المقداد بيمينه, ومضيا صوب الأمير, وراح المقداد يناقشه حتى كشف له خطأه وقال له:
" والآن أقده من نفسك..
ومكّنه من القصاص"..!!
وأذعن الأمير.. بيد أن الجندي عفا وصفح, وانتشى المقداد بعظمة الموقف, وبعظمة الدين الذي أفاء عليهم هذه العزة, فراح يقول وكأنه يغني:
" لأموتنّ, والإسلام عزيز"..!!

أجل تلك كانت أمنيته, أن يموت والإسلام عزيز.. ولقد ثابر مع المثابرين على تحقيق هذه الأمنية مثابرة باهرة جعلته أهلا لأن يقول له الرسول عليه الصلاة والسلام:
"إن الله أمرني بحبك..
وأنبأني أنه يحبك"...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:31 am

بلال بن رباح ( الساخر من الأهوال )

كان عمر بن الخطاب, إذا ذكر أبو بكر قال:
" أبو بكر سيدنا وأعتق سيّدنا"..
يعني بلالا رضي الله عنه..
وإن رجلا يلقبه عمر بسيدنا هو رجل عظيم ومحظوظ..
لكن هذا الرجل الشديد السمرة, النحيف الناحل, المفرط الطول الكث الشعر, الخفيف العارضين, لم يكن يسمع كلمات المدح والثناء توجه إليه, وتغدق عليه, إلا ويحني رأسه ويغض طرفه, ويقول وعبراته على وجنتيه تسيل:
"إنما أنا حبشي.. كنت بالأمس عبدا"..!!
فمن هذا الحبشي الذي كان بالأمس عبدا..!!
انه "بلال بن رباح" مؤذن الإسلام , ومزعج الأصنام..
انه إحدى معجزات الإيمان والصدق.
إحدى معجزات الإسلام العظيم..
في كل عشرة مسلمين. منذ بدأ الإسلام إلى اليوم, وإلى ما شاء الله سنلتقي بسبعة على الأقل يعرفون بلالا..
أي إن هناك مئات الملايين من البشر عبر القرون والأجيال عرفوا بلالا, وحفظوا اسمه, وعرفوا دوره. تماما كما عرفوا أعظم خليفتين في الإسلام : أبي بكر وعمر...!!
وانك لتسأل الطفل الذي لا يزال يحبو في سنوات دراسته الأولى في مصر, أو باكستان, أو الصين..
وفي الأمريكيتين, وأوروبا وروسيا..
وفي العراق , وسوريا, وإيران والسودان..
في تونس والمغرب والجزائر..
في أعماق أفريقيا, وفوق هضاب آسيا..
في كل بقعة من الأرض يقتنها مسلمون, تستطيع إن تسأل أي طفل مسلم: من بلال يا غلام؟
فيجيبك: انه مؤذن الرسول.. وانه العبد الذي كان سيّده يعذبه بالحجارة المستعرّة ليردّه عن دينه, فيقول:
"أحد.. أحد.."

وحينما تبصر هذا الخلود الذي منحه الإسلام بلالا.. فاعلم إن بلال هذا, لم يكن قبل الإسلام أكثر من عبد رقيق, يرعى ابل سيّده على حفنات من التمر, حتى يطو به الموت, ويطوّح به إلى أعماق النسيان..
لكن صدق إيمانه, وعظمة الدين الذي آمن به بوأه في حياته, وفي تاريخه مكان ا عليّا في الإسلام بين العظماء والشرفاء والكرماء...
إن كثيرا من عليّة البشر, وذوي الجاه والنفوذ والثروة فيهم, لم يظفروا بمعشار الخلود الذي ظفر به بلال العبد الحبشي..!!
بل إن كثيرا من أبطال التاريخ لم ينالوا من الشهرة التاريخية بعض الذي ناله بلال..
إن سواد بشرته, وتواضع حسبه ونسبه, وهوانه على الإنس كعبد رقيق, لم يحرمه حين آثر الإسلام دينا, من إن يتبوأ المكان الرفيع الذي يؤهله له صدقه ويقينه, وطهره, وتفانيه..

إن ذلك كله لم يكن له في ميزان تقييمه وتكريمه أي حساب, إلا حساب الدهشة حين توجد العظمة في غير مظانها..
فلقد كان الناس يظنون إن عبدا مثل بلال, ينتمي إلى أصول غريبة.. ليس له أهل, ولا حول, ولا يملك من حياته شيئا, فهو ملك لسيّده الذي اشتراه بماله.. يروح ويغدو وسط شويهات سيده وإبله وماشيته..
كانوا يظنون إن مثل هذا الكائن, لا يمكن أن يقدر على شيء ولا أن يكون شيئا..
ثم اذا هو يخلف الظنون جميعا, فيقدر على إيمان, هيهات إن يقدر على مثله سواه.. ثم يكون أول مؤذن للرسول والإسلام العمل الذي كان يتمناه لنفسه كل سادة قريش وعظمائها من الذين أسلموا واتبعوا الرسول..!!
أجل.. بلال بن رباح!
أيّة بطولة.. وأيّة عظمة تعبر عنها هذه الكلمات الثلاث بلال ابن رباح..؟!

انه حبشي من أمة السود... جعلته مقاديره عبدا لأناس من بني جمح بمكة, حيث كان ت أمه إحدى إمائهم وجواريهم..
كان يعيش عيشة الرقيق, تمضي أيامه متشابهة قاحلة, لا حق له في يومه, ولا أمل له في غده..!!
ولقد بدأت أنباء محمد تنادي سمعه, حين أخذ الإنس في مكة يتناقلونها, وحين كان يصغي إلى أحاديث ساداته وأضيافهم, سيما "أمية بن خلف" أحد شيوخ بني جمح القبيلة التي كان بلال أحد عبيدها..
لطالما سمع أمية وهو يتحدّث مع أصدقائه حينا, وأفراد قبيلته أحيانا عن الرسول حديثا يطفح غيظا, وغمّا وشرا..

وكانت أذن بلال تلتقط من بين كلمات الغيظ المجنون, الصفات التي تصور له هذا الدين الجديد.. وكان يحس أنها صفات جديدة على هذه البيئة التي يعيش فيها.. كما كان ت أذنه تلتقط من خلال أحاديثهم الراعدة المتوعدة اعترافهم بشرف محمد وصدقه وأمانته..!!
أجل انه ليسمعهم يعجبون, ويحارون, في هذا الذي جاء به محمد..!!
ويقول بعضهم لبعض: ما كان محمد يوما كاذبا. ولا ساحرا..ولا مجنونا.. وإن لم يكن لنا بد من وصمه اليوم بذلك كله, حتى نصدّ عنه الذين سيسارعون إلى دينه..!!
سمعهم يتحدّثون عن أمانته..
عن وفائه..
عن رجولته وخلقه..
عن نزاهته ورجاحة عقله..
وسمعهم يتهامسون بالأسباب التي تحملهم على تحديّ وعداوته, تلك هي: ولاؤهم لدين آبائهم أولا. والخوف على مجد قريش ثانيا, ذلك المجد الذي يفيئه عليها مركزها الديني, كعاصمة للعبادة والنسك في جزيرة العرب كلها, ثم الحقد على بني هاشم, إن يخرج منهم دون غيرهم نبي ورسول...!

وذات يوم يبصر بلال ب رباح نور الله, ويسمع في أعماق روحه الخيّرة رنينه, فيذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويسلم..
ولا يلبث خبر إسلامه إن يذيع.. وتدور الأرض برؤوس أسياده من بني جمح.. تلك الرؤوس التي نفخها الكبر وأثقلها الغرور..!! وتجثم شياطين الأرض فوق صدر أميّة بن خلف الذي رأى في إسلام عبد من عبيدهم لطمة جللتهم جميعا بالخزي والعار..
عبدهم الحبشي يسلم ويتبع محمد..؟!
ويقول أميّة لنفسه: ومع هذا فلا بأس.. إن شمس هذا اليوم لن تغرب إلا ويغرب معها إسلام هذا العبد الآبق..!!
ولكن الشمس لم تغرب قط بإسلام بلال بل غربت ذات يوم بأصنام قريش كلها, وحماة الوثنية فيها...!

أما بلال فقد كان له موقف ليس شرفا للإسلام وحده, وإن كان الإسلام أحق به, ولكنه شرف للإنسانية جميعا..
لقد صمد لأقسى ألوان التعذيب صمود الأبرار العظام.
ولكان ما جعله الله مثلا على إن سواد البشرة وعبودية الرقبة لا ينالان من عظمة الروح اذا وجدت إيمانها, واعتصمت بباريها, وتشبثت بحقها..
لقد أعطى بلال درسا بليغا للذين في زمانه, وفي كل مكان, للذين على دينه وعلى كل دين.. درسا فحواه إن حريّة الضمير وسيادته لا يباعان بملء الأرض ذهبا, ولا بملئها عذابا..
لقد وضع عريانا فوق الجمر, على إن يزيغ عن دينه, أو يزيف اقتناعه فأبى..

لقد جعل الرسول عليه الصلاة والسلام, والإسلام , من هذا العبد الحبشي المستضعف أستاذا للبشرية كلها في فن احترام الضمير, والدفاع عن حريته وسيادته..
لقد كان ويخرجون به في الظهيرة التي تتحول الصحراء فيها إلى جهنم قاتلة.. فيطرحونه على حصاها الملتهب وهو عريان, ثم يأتون بحجر مستعر كالحميم ينقله من مكان ه بضعة رجال, ويلقون به فوق جسده وصدره..
ويتكرر هذا العذاب الوحشي كل يوم, حتى رقّت لبلال من هول عذابه بعض قلوب جلاديه, فرضوا آخر الأمر إن يخلوا سبيله, على إن يذكر آلهتهم بخير ولو بكلمة واحدة تحفظ لهم كبرياءهم, ولا تتحدث قريش أنهم انهزموا صاغرين أمام صمود عبدهم وإصراره..

ولكن حتى هذه الكلمة الواحدة العابرة التي يستطيع إن يلقيها من وراء قلبه, ويشتري بها حياته نفسه, دون إن يفقد إيمانه, ويتخلى عن اقتناعه..
حتى هذه الكلمة الواحدة رفض بلال إن يقولها..!
نعم لقد رفض إن يقولها, وصار يردد مكان ها نشيده الخالد:"أحد أحد"
يقولون له: قل كما نقول..
فيجيبهم في تهكم عجيب وسخرية كاوية:
"إن لساني لا يحسنه"..!!
ويظل بلال في ذوب الحميم وصخره, حتى اذا حان الأصيل أقاموه, وجعلوا في عنقه حبلا, ثم أمروا صبيانهم إن يطوفوا به جبال مكة وشوارعها. وبلال لا يلهج لسانه بغير نشيده المقدس:" أحد أحد".

وكان ي اذا جنّ عليهم الليل يساومونه:
غدا قل كلمات خير في آلهتنا, قل ربي اللات والعزى, لنذرك وشأنك, فقد تعبنا من تعذيبك, حتى لكان لنا نحن المعذبون!
فيهز رأسه ويقول:" أحد.. أحد..".
ويلكزه أمية بن خلف وينفجر غمّا وغيظا, ويصيح: أي شؤم رمانا بك يا عبد السوء..؟واللات والعزى لأجعلنك للعبيد والسادة مثلا.
ويجيب بلال في يقين المؤمن وعظمة القديس:
"أحد.. أحد.."
ويعود للحديث والمساومة, من وكل إليه تمثيل دور المشفق عليه, فيقول:
خل عنك يا أميّة.. واللات لن يعذب بعد اليوم, إن بلالا منا أمه جاريتنا, وانه لن يرضى إن يجعلنا بإسلامه حديث قريش وسخريّتها..
ويحدّق بلال في الوجوه الكاذبة الماكرة, ويفتر ثغره عن ابتسامة كضوء الفجر, ويقول في هدوء يزلزلهم زلزالا:
"أحد.. أحد.."
وتجيء الغداة وتقترب الظهيرة, ويؤخذ بلال إلى الرمضاء, وهو صابر محتسب, صامد ثابت.
ويذهب إليهم أبو بكر الصديق وهو يعذبونه, ويصيح بهم:
(أتقتلون رجلا إن يقول ربي الله)؟؟
ثم يصيح في أميّة بن خلف: خذ أكثر من ثمنه واتركه حرا..
وكان ما كان أمية يغرق وأدركه زورق النجاة..

لقد طابت نفسه وسعدت حين سمع أبا بكر يعرض ثمن تحريره إذ كان اليأس من تطويع بلال قد بلغ في نفوسهم أشده, ولأنهم كانوا من التجار, فقد أدركوا إن بيعه أربح لهم من موته..
باعوه لأبي بكر الذي حرّره من فوره, وأخذ بلال مكان ه بين الرجال الأحرار...

وحين كان الصدّيق يتأبط ذراع بلال منطلقا به إلى الحرية قال له أمية:
خذه, فواللات والعزى, لو أبيت إلا إن تشتريه بأوقية واحدة لبعتكه بها..
وفطن أبو بكر لما في هذه الكلمات من مرارة اليأس وخيبة الأمل وكان حريّا بألا يجيبه..
ولكن لأن فيها مساسا بكرامة هذا الذي قد صار أخا له, وندّا,أجاب أمية قائلا:
والله لو أبيتم أنتم إلا مائة أوقية لدفعتها..!!

وانطلق بصاحبه إلى رسول الله يبشره بتحريره.. وكان عيدا عظيما!
وبعد هجرة الرسول والمسلمين إلى المدينة, واستقرارهم بها, يشرّع الرسول للصلاة أذانها..
فمن يكون المؤذن للصلاة خمس مرات كل يوم..؟ وتصدح عبر الأفق تكبيراته وتهليلاته..؟
انه بلال.. الذي صاح منذ ثلاث عشرة سنة والعذاب يهدّه ويشويه أن: "الله أحد..أحد".
لقد وقع اختيار الرسول عليه اليوم ليكون أول مؤذن للإسلام.
وبصوته النديّ الشجيّ مضى يملأ الأفئدة إيمانا, والأسماع روعة وهو ينادى:
الله أكبر.. الله أكبر
الله أكبر .. الله أكبر
أشهد أن لا إله إلا الله
أشهد أن لا اله إلا الله
أشهد أن محمدا رسول الله
أشهد أن محمدا رسول الله
حي على الصلاة
حي على الصلاة
حي على الفلاح
حي على الفلاح
الله أكبر.. الله أكبر
لا إله إلا الله...

ونشب القتال بين المسلمين وجيش قريش الذي قدم إلى المدينة غازيا..
وتدور الحرب عنيفة قاسية ضارية..وبلال هناك يصول ويجول في أول غزوة يخوضها الإسلام , غزوة بدر.. تلك الغزوة التي أمر الرسول عليه السلام أن يكون شعارها: "أحد..أحد".

في هذه الغزوة ألقت قريش بأفلاذ أكبادها, وخرج أشرافها جميعا لمصارعهم..!!
ولقد همّ بالنكوص عن الخروج "أمية بن خلف" .. هذا الذي كان سيدا لبلال, والذي كان يعذبه في وحشيّة قاتلة..

همّ بالنكوص لولا إن ذهب إليه صديقه "عقبة بن أبي معيط" حين علم عن نبأ تخاذله وتقاعسه, حاملا في يمينه مجمرة حتى اذا واجهه وهو جالس وسط قومه, ألقى الجمرة بين يديه وقال له: يا أبا علي, استجمر بهذا, فإنما أنت من النساء..!!!
وصاح به أمية قائلا: قبحك الله, وقبّح ما جئت به..
ثم لم يجد بدّا من الخروج مع الغزاة فخرج..
أيّة أسرار للقدر, يطويها وينشرها..؟
لقد كان عقبة بن أبي معيط أكبر مشجع لأمية على تعذيب بلال, وغير بلال من المسلمين المستضعفين..
واليوم هو نفسه الذي يغريه بالخروج إلى غزوة بدر التي سيكون فيها مصرعه..!!
كما سيكون فيها مصرع عقبة أيضا!
لقد كان أمية من القاعدين عن الحرب.. ولولا تشهير عقبة به على هذا النحو الذي رأيناه لما خرج..!!
ولكن الله بالغ أمره, فليخرج أمية فإن بينه وبين عبد من عباد الله حسابا قديما, جاء أوان تصفيته, فالديّان لا يموت, وكما تدينون تدانون..!!

وإن القدر ليحلو له أن يسخر بالجبارين.. فعقبة الذي كان أمية يصغي لتحريضه, ويسارع إلى هواه في تعذيب المؤمنين الأبرياء, هو نفسه الذب سيقود أميّة إلى مصرعه..
وبيد من..؟
بيد بلال نفسه.. وبلال وحده!!
نفس اليد التي طوّقها أميّة بالسلاسل, وأوجع صاحبها ضربا, وعذابا..
مع هذه اليد ذاتها, هي اليوم, وفي غزوة بدر, على موعد أجاد القدر توقيته, مع جلاد قريش الذي أذل المؤمنين بغيا وعدوا..
ولقد حدث هذا تماما..

وحين بدأ القتال بين الفريقين, وارتج جانب المعركة من قبل المسلمين بشعارهم:" أحد.. أحد" انخلع قلب أمية, وجاءه النذير..
إن الكلمة التي كان يرددها بالأمس عبد تحت وقع العذاب والهول قد صارت اليوم شعار دين بأسره وشعار الأمة الجديدة كلها..!!
"أحد..أحد"؟؟!!
أهكذا..؟ وبهذه السرعة.. وهذا النمو العظيم..؟؟

وتلاحمت السيوف وحمي القتال..
وبينما المعركة تقترب من نهايتها, لمح أمية بن خلف" عبد الرحمن بن عوف" صاحب رسول الله, فاحتمى به, وطلب إليه أن يكون أسيره رجاء إن يخلص بحياته..
وقبل عبد الرحمن عرضه وأجاره, ثم سار به وسط العمعمة إلى مكان السرى.
وفي الطريق لمح بلال فصاح قائلا:
"رأس الكفر أميّة بن خلف.. لا نجوت إن نجا".
ورفع سيفه ليقطف الرأس الذي لطالما أثقله الغرور والكبر, فصاح به عبد الرحمن بن عوف:
"أي بلال.. إنه أسيري".
أسير والحرب مشبوبة دائرة..؟
أسير وسيفه يقطر دما مما كان يصنع قبل لحظة في أجساد المسلمين..؟
لا.. ذلك في رأي بلال ضحك بالعقول وسخرية.. ولقد ضحك أمية وسخر بما فيه الكفاية..
سخر حتى لم يترك من السخرية بقية يدخرها ليوم مثل هذا اليوم, وهذا المأزق, وهذا المصير..!!
ورأى بلال أنه لن يقدر وحده على اقتحام حمى أخيه في الدين عبد الرحمن بن عوف, فصاح بأعلى صوته في المسلمين:
"يا أنصار الله.. رأس الكفر أمية بن خلف, لا نجوت إن نجا"...!
وأقبلت كوكبة من المسلمين تقطر سيوفهم المنايا, وأحاطت بأمية وابنه ولم يستطع عبد الرحمن بن عوف أن يصنع شيئا..
وألقى بلال على جثمان أمية الذي هوى تحت السيوف القاصفة نظرة طويلة, ثم هرول عنه مسرعا وصوته النديّ يصيح:
"أحد.. أحد.."

لا أظن أن من حقنا أن نبحث عن فضيلة التسامح لدى بلال في مثل هذا المقام..
فلو أن اللقاء بين بلال وأمية تمّ في ظروف أخرى, لجاز لنا أن نسال بلالا حق التسامح, وما كان لرجل في مثل إيمانه وتقاه أن يبخل به.
لكن اللقاء الذي تم بينهما, كان في حرب, جاءها كل فريق ليفني غريمه..

السيوف تتوهج.. والقتلى يسقطون.. والمنايا تتواثب, ثم يبصر بلال أمية الذي لم يترك في جسده موضع أنملة إلا ويحمل آثار تعذيب.
وأين يبصره وكيف..؟
يبصره في ساحة الحرب والقتال يحصد بسيفه كل ما يناله من رؤوس المسلمين, ولو أدرك رأس بلال ساعتئذ لطوّح به..
في ظروف كهذه يلتقي الرجلان فيها, لا يكون من المنطق العادل في شيء إن نسأل بلالا: لماذا لم يصفح الصفح الجميل..؟؟

وتمضي الأيام وتفتح مكة..
ويدخلها الرسول شاكرا مكبرا على رأس عشرة آلاف من المسلمين..
ويتوجه إلى الكعبة رأسا.. هذا المكان المقدس الذي زحمته قريش بعدد أيام السنة من الأصنام..!!
لقد جاء الحق وزهق الباطل..
ومن اليوم لا عزى.. ولا لات.. ولا هبل.. لن يجني الإنسان بعد اليوم هامته لحجر, ولا وثن.. ولن يعبد الناس ملء ضمائرهم إلا الله إلي ليس كمثله شيء, الواحد الأحد, الكبير المتعال..
ويدخل الرسول الكعبة, مصطحبا معه بلال..!
ولا يكاد يدخلها حتى يواجه تمثالا منحوتا, يمثل إبراهيم عليه السلام وهو يستقسم بالأزلام, فيغضب الرسول ويقول:
"قاتلهم الله..
ما كان شيخنا يستقسم بالأزلام.. ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين".

ويأمر بلال أن يعلو ظهر المسجد, ويؤذن.
ويؤذن بلال.. فيالروعة الزمان, والمكان , والمناسبة..!!
كفت الحياة في مكة عن الحركة, ووقفت الألوف المسلمة كالنسمة الساكنة, تردد في خشوع وهمس كلمات الأذان وراء بلال.

والمشركون في بيوتهم لا يكادون يصدقون:
أهذا هو محمد وفقراؤه الذين أخرجوا بالأمس من هذا الديار..؟؟
أهذا هو حقا, ومعه عشرة آلاف من المؤمنين..؟؟
أهذا هو حقا الذي قاتلناه, وطاردناه, وقتلنا أحب الناس إليه..؟
أهذا هو حقا الذي كان يخاطبنا من لحظات ورقابنا بين يديه, ويقول لنا:
"اذهبوا فأنتم الطلقاء"..!!

ولكن ثلاثة من أشراف قريش, كانوا جلوسا بفناء الكعبة, وكان ما يلفحهم مشهد بلال وهو يدوس أصنامهم بقدميه, ويرسل من فوق ركامها المهيل صوته بالأذان المنتشر في آفاق مكة كلها كعبير الربيع..
أما هؤلاء الثلاثة فهم, أبو سفيان بن حرب, وكان قد أسلم منذ ساعات, وعتّاب بن أسيد, والحارث بن هشام, وكان لم يسلما بعد.

قال عتاب وعينه على بلال وهو يصدح بأذانه:
لقد أكرم الله أسيدا, ألا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه. وقال الحارث:
أما والله لو أعلم إن محمدا محق لاتبعته..!!
وعقب أبو سفيان الداهية على حديثهما قائلا:
إني لا أقول شيئا, فلو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى!! وحين غادر النبي الكعبة رآهم, وقرأ وجوههم في لحظة, قال وعيناه تتألقان بنور الله, وفرحة النصر:
قد علمت الذي قلتم..!!!
ومضى يحدثهم بما قالوا..
فصاح الحارث وعتاب:
نشهد أنك رسول الله, والله ما سمعنا أحد فنقول أخبرك..!!
واستقبلا بلال بقلوب جديدة..في أفئدتهم صدى الكلمات التي سمعوها في خطاب الرسول أول دخول مكة:
" يامعشر قريش..
إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء..
الناس من آدم وآدم من تراب"..

وعاش بلال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, يشهد معه المشاهد كلها, يؤذن للصلاة, ويحيي ويحمي شعائر هذا الدين العظيم الذي أخرجه من الظلمات إلى النور, ومن الرق إلى الحريّة..
وعلا شأن الإسلام , وعلا معه شأن المسلمين, وكان بلال يزداد كل يوم قربا من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يصفه بأنه:" رجل من أهل الجنة"..
لكن بلالا بقي كما هو كريما متواضعا, لا يرى نفسه إلا أنه:" الحبشي الذي كان بالأمس عبدا"..!!
ذهب يوما يخطب لنفسه ولأخيه زوجتين فقال لأبيهما:
"أنا بلال, هذا أخي عبدان من الحبشة.. كنا ضالين فهدانا الله.. وكنا عبدين فأعتقنا الله.. إن تزوّجونا فالحمد لله.. وإن تمنعونا فالله أكبر.."!!

وذهب الرسول إلى الرفيق الأعلى راضيا مرضيا, ونهض بأمر المسلمين من بعده خليفته أبو بكر الصديق..
وذهب بلال إلى خليفة رسول الله يقول له:
" يا خليفة رسول الله..
إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أفضل عمل لمؤمن الجهاد في سبيل الله"..
فقال له أبو بكر: فما تشاء يا بلال..؟
قال: أردت إن أرابط في سبيل الله حتى أموت..
قال أبو بكر ومن يؤذن لنا؟
قال بلال وعيناه تفيضان من الدمع, إني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله.
قال أبو بكر: بل ابق وأذن لنا يا بلال..
قال بلال: إن كنت أعتقتني لأكون لك فليكن لك ما تريد. وإن كنت أعتقتني لله فدعني وما أعتقتني له..
قال أبو بكر: بل أعتقتك لله يا بلال..
ويختلف الرواة, فيروي بعضهم أنه سافر إلى الشام حيث بقي فيها مجاهدا مرابطا.
ويروي بعضهم الآخر, أنه قبل رجاء أبي بكر في أن يبقى معه بالمدينة, فلما قبض وولي عمر الخلافة استأذنه وخرج إلى الشام.
على أية حال, فقد نذر بلال بقية حياته وعمره للمرابطة في ثغور الإسلام , مصمما إن يلقى الله ورسوله وهو على خير عمل يحبانه.
ولم يعد يصدح بالأذان بصوته الشجي الحفيّ المهيب, ذلك أنه لم ينطق في أذانه "أشهد أن محمدا رسول الله" حتى تجيش به الذميات فيختفي صوته تحت وقع أساه, وتصيح بالكلمات دموعه وعبراته.
وكان آخر أذان له أيام زار أمير المؤمنين عمر وتوسل المسلمون إليه أن يحمل بلالا على أن يؤذن لهم صلاة واحدة.
ودعا أمير المؤمنين بلال, وقد حان وقت الصلاة ورجاه أن يؤذن لها.
وصعد بلال وأذن.. فبكى الصحابة الذين كانوا أدركوا رسول الله وبلال يؤذن له.. بكوا كما لم يبكوا من قبل أبدا.. وكان عمر أشدهم بكاء..!!
ومات بلال في الشام مرابطا في سبيل الله كما أراد.
وتحت ثرى دمشق يثوي اليوم رفات رجل من أعظم رجال البشر صلابة في الوقوف إلى جانب العقيدة والاقتناع...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:31 am

ثابت بن قيس ( خطيب رسول الله )

كان حسّان بن ثابت شاعر رسول الله والإسلام..
وكان ثابت خطيب خطيب رسول الله والإسلام..
وكانت الكلمات تخرج من فمه قوية, صادعة, جامعة رائعة..
وفي عام الوفود, وفد على لمدينة وفد بني تميم وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
" جئنا نفاخرك, فأذن لشاعرنا وخطيبنا"..
فابتسم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال لهم:
" قد أذنت لخطيبكم, فليقل"..
وقام خطيبهم عطارد بن حاجب ووقف يزهو بمفاخر قومه..
ولما آذن بانتهاء, قال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس: قم فأجبه..
ونهض ثابت فقال:
" الحمد لله, الذي في السموات والأرض خلقه, قضى فيهنّ أمره, ووسع كرسيّه علمه, ولم يك شيء قط إلا من فضله..
ثم كان من قدرته أن جعلنا أئمة. واصطفى من خير خلقه رسولا.. أكرمهم نسبا. وأصدقهم حديثا. وأفضلهم حسبا, فأنزل عليه كتابه, وائتمنه على خلقه, فكان خيرة الله من العالمين..
ثم دعا الناس إلى الإيمان به, فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه.. أكرم الناس أحسابا, وخيرهم فعالا..
ثم كنا نحن الأنصار أول الخلق إجابة..
فنحن أنصار الله, ووزراء رسوله"..

شهد ثابت بن قيس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة أحد, والمشاهد بعدها.
وكانت فدائيته من طراز عجيب.. جد عجيب..!!
في حروب الردّة, كان في الطليعة دائما, يحمل راية الأنصار, ويضرب بسيف لا يكبو, ولا ينبو..
وفي موقعة اليمامة, التي سبق الحديث عنها أكثر من مرة, رأى ثابت وقع الهجوم الخاطف لذي شنّه جيش مسيلمة الكذاب على المسلمين أول المعركة, فصاح بصوته النذير الجهير:
" والله, ما هذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم"..
ثم ذهب بغير بعيد, وعاد وقد تحنّط, ولبس أكفانه, وصاح مرة أخرى:
" إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء..
يعني جيش مسيلمة..
وأعتذر إليك مما صاع هؤلاء..
يعني تراخي المسلمين في القتال"..
وانضم إليه سالم مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان يحمل راية المهاجرين..
وحفر الاثنان لنفسيهما حفرة عميقة ثم نزلا فيها قائمين, وأهالا الرمال عليهما حتى غطت وسط كل منهما..
وهكذا وقفا..طودين شامخين, نصف كل منهما غائص في الرمال مثبت في أعماق الحفرة.. في حين نصفهما الأعلى, صدرهما وجبهتهما وذراعهما يستقبلان جيوش الوثنية والكذب..
وراحا يضربان بسيفهما كل من يقترب منهما من جيش مسيلمة حتى استشهدا في مكانهما, ومالت شمس كل منهما للغروب..!!
وكان مشهدهما رضي الله عنهما هذا أعظم صيحة أسهمت في ردّ المسلمين إلى مواقعهم, حيث جعلوا من جيش مسيلمة الكذاب ترابا تطؤه الأقدام..!!

وثابت بن قيس.. هذا الذي تفوّق خطيبا, وتفوّق محاربا كان يحمل نفسا أوابة, وقلبا خاشعا مخبتا, وكان من أكثر المسلمين وجلا من الله, وحياء منه..

لما نزلت الآية الكريمة:
( إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا{36}النساء)..
أغلق ثابت باب داره, وجلس يبكي..وطال مكثه على هذه الحال, حتى نمى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره, فدعاه وسأله.
فقال ثابت:
" يا رسول الله, إني أحب الثوب الجميل, والنعل الجميل, وقد خشيت أن أكون بهذا من المختالين"..
فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك راضيا:
" انك لست منهم..
بل تعيش بخير..
وتموت بخير..
وتدخل الجنة".
ولما نزل قول الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ{2}الحجرات)..
أغلق ثابت عليه داره, وطفق يبكي..
وافتقده الرسول فسأل عنه, ثم أرسل من يدعوه...
وجاء ثابت..
وسأله الرسول عن سبب غيابه, فأجابه:
" إني امرؤ جهير الصوت..
وقد كنت أرفع صوتي فوق صوتك يا رسول الله..
وإذن فقد حبط عملي, وأنا من أهل النار"..!!
وأجابه الرسول عليه الصلاة والسلام:
" انك لست منهم..
بل تعيش حميدا..
وتقتل شهيدا..
ويدخلك الله الجنة".

بقي في قصة ثابت واقعة, قد لا يستريح إليها أولئك الذين حصروا تفكيرهم وشعورهم ورؤاهم داخل عالمهم الماديّ الضيّق الذي يلمسونه, أو يبصرونه, أو يشمّونه..!
ومع هذا, فالواقعة صحيحة, وتفسيرها مبين وميّسر لكل من يستخدم مع البصر, البصيرة..
بعد أن استشهد ثابت في المعركة, مرّ به واحد من المسلمين الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام ورأى على جثمان ثابت دعه الثمينة, فظن أن من حقه أن يأخذها لنفسه, فأخذها..
ولندع راوي الواقعة يرويها بنفسه:
".. وبينما رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه.
فقال له: إني أوصيك بوصية, فإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه.
إني لما استشهدت بالأمس, مرّ بي رجل من المسلمين.
فأخذ درعي..
وان منزله في أقصى الناس, وفرسه يستنّ في طوله, أي في لجامه وشكيمته.
وقد كفأ على الدرع برمة, وفوق الأبرمة رحل..
فأت خالدا, فمره أن يبعث فيأخذها..
فإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله أبي بكر, فقل له: إن عليّ من الدين كذا كذا..
فليقم بسداده..
فلما استيقظ الرجل من نومه, أتى خالد بن الوليد, فقصّ عليه رؤياه..
فأرسل خالد من يأتي بالدرع, فوجدها كما وصف ثابت تماما..
ولما رجع المسلمون إلى المدينة, قصّ المسلم على الخليفة الرؤيا, فأنجز وصيّة ثابت..
وليس في الإسلام وصيّة ميّت أنجزت بعد موته على هذا النحو, سوى وصيّة ثابت بن قيس..

حقا إن الإنسان لسرّ كبير..
( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ{169}آل عمران).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:31 am

جعفر بن أبي طالب ( أشبهت خلقي وخلقي )

انظروا جلال شبابه..
انظروا نضارة إهابه..
انظروا أناته وحلمه, حدبه, وبرّه, تواضعه وتقاه..
انظروا شجاعته التي لا تعرف الخوف.. وجوده الذي لايخاف الفقر..
انظروا طهره وعفته..
انظروا صدقه وأمانته...
انظروا فيه كل رائعة من روائع الحسن, والفضيلة, والعظمة, ثم لا تعجبوا, فأنتم أمام أشبه الناس بالرسول خلقا, وخلقا..
أنتم أمام من كنّاه الرسول بـأبي المساكين..
أنت تجاه من لقبه الرسول بـذي الجناحين..
أنتم تلقاء طائر الجنة الغريد, جعفر بن أبي طالب..!! عظيم من عظماء الرعيل الأول الذين أسهموا أعظم إسهام في صوغ ضمير الحياة..!!

أقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم مسلما, آخذا مكانه العالي بين المؤمنين المبكرين..
وأسلمت معه في نفس اليوم زوجته أسماء بنت عميس..
وحملا نصيبهما من الأذى ومن الاضطهاد في شجاعة وغبطة..
فلما اختار الرسول لأصحابه الهجرة إلى الحبشة, خرج جعفر وزوجه حيث لبيا بها سنين عددا, رزقا خلالها بأولادهم الثلاثة محمد, وعبد الله, وعوف...

وفي الحبشة كان جعفر بن أبي طالب المتحدث اللبق, الموفق باسم الإسلام ورسوله..
ذلك أن الله أنعم عليه فيما أنعم, بذكاء القلب, وإشراق العقل, وفطنة النفس, وفصاحة اللسان..
ولئن كان يوم مؤتة الذي سيقاتل فيه فيما بعد حتى يستشهد.. أروع أيامه وأمجاده وأخلدها..
فإن يوم المحاورة التي أجراها أمام النجاشي بالحبشة, لن يقلّ روعة ولا بهاء, ولا مجدا..
لقد كان يوما فذّا, ومشهدا عجبا...

وذلك أن قريشا لم يهدئ من ثورتها, ولم يذهب من غيظها, هجرة المسلمين إلى الحبشة, بل خشيت أن يقوى هناك بأسهم, ويتكاثر طمعهم.. وحتى إذا لم تواتهم فرصة التكاثر والقوّة, فقد عز على كبريائها أن ينجو هؤلاء من نقمتها, ويفلتوا من قبضتها.. يظلوا هناك في مهاجرهم أملا رحبا تهتز له نفس الرسول, وينشرح له صدر الإسلام..

هنالك قرر ساداتها إرسال مبعوثين إلى النجاشي يحملان هدايا قريش النفيسة, ويحملان رجاءهما في أن يخرج هؤلاء الذين جاؤوا إليها لائذين ومستجيرين...
وكان هذان المبعوثان: عبدالله بن أبي ربيعة, وعمرو بن العاص, وكانا لم يسلما بعد...

كان النجاشي الذي كان يجلس أيامئذ على عرش الحبشة, رجلا يحمل إيمانا مستنيرا.. وكان في قرارة نفسه يعتنق مسيحية صافية واعية, بعيدة عن الانحراف, نائية عن التعصب والانغلاق...
وكان ذكره يسبقه.. وسيرته العادلة, تنشر عبيرها في كل مكان تبلغه..
من أجل هذا, اختار الرسول صلى الله عليه وسلم بلاده دار هجرة لأصحابه..
ومن أجل هذا, خافت قريش ألا تبلغ لديه ما تريد فحمّلت مبعوثيها هدايا ضخمة للأساقفة, وكبار رجال الكنيسة هناك, وأوصى زعماء قريش مبعوثيهاألا يقابلا النجاشي حتى يعطيا الهدايا للبطارقة أولا, وحتى يقنعاهم بوجهة نظرهما, ليكونوا لهم عونا عند النجاشي.
وحطّ الرسولان رحالهما بالحبشة, وقابلا بها الزعماء الروحانيين كافة, ونثرا بين أيديهم الهدايا التي حملاها إليهم.. ثم أرسلا للنجاشي هداياه..
ومضيا يوغران صدور القسس والأساقفة ضد المسلمين المهاجرين, ويستنجدان بهم لحمل النجاشي, ويواجهان بين يديه خصوم قريش الذين تلاحقهم بكيدها وأذاها.

وفي وقار مهيب, وتواضع جليل, جلس النجاشي على كرسيه العالي, تحفّ به الأساقفة ورجال الحاشية, وجلس أمامه في البهو الفسيح, المسلمون المهاجرون, تغشاهم سكينة الله, وتظلهم رحمته.. ووقف مبعوثا قريش يكرران الاتهام الذي سبق أن ردّداه أمام النجاشي حين أذن لهم بمقابلة خاصة قبل هذا الاجتماع الحاشد الكبير:
" أيها الملك.. انه قد ضوى لك إلى بلدك غلمان سفهاء, فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك, بل جاؤوا بدين ابتدعوه, لا نعرفه نحن ولا أنت, وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم, أعمامهم, وعشائرهم, لتردّهم إليهم"...
وولّى النجاشي وجهه شطر المسلمين, ملقيا عليهم سؤاله:
" ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم, واستغنيتم به عن ديننا"..؟؟
ونهض جعفر قائما.. ليؤدي المهمة التي كان المسلمون المهاجرون قد اختاروه لهاإبّان تشاورهم, وقبل مجيئهم إلى هذا الاجتماع..

نهض جعفر في تؤدة وجلال, وألقى نظرات محبّة على الملك الذي أحسن جوارهم وقال:
" يا أيها الملك..
كنا قوما أهل جاهلية: نعبد الأصنام, ونأكل الميتة, ونأتي الفواحش, ونقطع الأرحام, ونسيء الجوار, ويأكل القوي منا الضعيف, حتى بعث الله إلينا رسولا منا, نعرف نسبه وصدقه, وأمانته, وعفافه, فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده, ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان..
وأمرنا بصدق الحديث, وأداء الأمانة, وصلة الرحم, وحسن الجوار, والكفّ عن المحارم والدماء..
ونهانا عن الفواحش, وقول الزور, وأكل مال اليتيم, وقذف المحصنات.. فصدّقناه وآمنّا به, واتبعناه على ما جاءه من ربه, فعبدنا الله وحده ولم نشرك به شيئا, وحرّمنا ما حرّم علينا, وأحللنا ما أحلّ لنا, فغدا علينا قومنا, فعذبونا وفتنونا عن ديننا, ليردّونا إلى عبادة الأوثان, والى ما كنّا عليه من الخبائث..
فلما قهرونا, وظلمونا, وضيّقوا علينا, وحالوا بيننا وبين ديننا, خرجنا إلى بلادك ورغبنا في جوارك, ورجونا ألا نظلم عندك"...

ألقى جعفر بهذه الكلمات المسفرة كضوء الفجر, فملأت نفس النجاشي إحساسا وروعة, والتفت إلى جعفر وسأله:
" هل معك مما أنزل على رسولكم شيء"..؟
قال جعفر: نعم..
قال النجاشي: فاقرأه علي..
ومضى جعفر يتلو لآيات من سورة مريم, في أداء عذب, وخشوع فبكى النجاشي, وبكى معه أساقفته جميعا..
ولما كفكف دموعه الهاطلة الغزيرة, التفت إلى مبعوثي قريش, وقال:
" إن هذا, والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة..
انطلقا فلا والله, لا أسلمهم إليكما"..!!

انفضّ الجميع, وقد نصر الله عباده وآزرهم, في حين رزئ مندوبا قريش بهزيمة منكرة..
لكن عمرو بن العاص كان داهية واسع الحيلة, لا يتجرّع الهزيمة, ولا يذعن لليأس..
وهكذا لم يكد يعود مع صاحبه إلى نزلهما, حتى ذهب يفكّر ويدبّر, وقال لزميله:
" والله لأرجعنّ للنجاشي غدا, ولآتينّه عنهم بما يستأصل خضراءهم"..
وأجابه صاحبه: " لا تفعل, فان لهم أرحاما, وان كانوا قد خالفونا"..
قال عمرو: " والله لأخبرنّه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد, كبقية العباد"..
هذه إذن هي المكيدة الجديدة الجديدة التي دبّرها مبعوث قريش للمسلمين كي يلجئهم إلى الزاوية الحادة, ويضعهم بين شقّي الرحى, فان هم قالوا عيسى عبد من عباد الله, حرّكوا ضدهم أضان الملك والأساقفة.. وان هم نفوا عنه البشرية خرجوا عن دينهم...!!

وفي الغداة أغذا السير إلى مقابلة الملك, وقال له عمرو:
" أيها الملك: إنهم ليقولون في عيسى قولا عظيما".
واضطرب الأساقفة..
واهتاجتهم هذه العبارة القصيرة..
ونادوا بدعوة المسلمين لسؤالهم عن موقف دينهم من المسيح..
وعلم المسلمون بالمؤامرة الجديدة, فجلسوا يتشاورون..
ثم اتفقوا على أن يقولوا الحق الذي يسمعون من نبيهم عليه الصلاة والسلام, لايحيدون عنه قيد شعرة, وليكن ما يكن..!!
وانعقد الاجتماع من جديد, وبدأ النجاشي الحديث سائلا جعفر:
"ماذا تقولون في عيسى"..؟؟
ونهض جعفر مرة أخرى كالمنار المضيء وقال:
" نقول فيه ما جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم: هو عبدالله ورسوله, وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه"..
فهتف النجاشي مصدّقا ومعلنا أن هذا هو ما قاله المسيح عن نفسه..
لكنّ صفوف الأساقفة ضجّت بما يسبه النكير..
ومضى النجاشي المستنير المؤمن يتابع حديثه قائلا للمسلمين:
" اذهبوا فأنتم آمنون بأرضي, ومن سبّكم أو آذاكم, فعليه غرم ما يفعل"..
ثم التفت صوب حاشيته, وقال وسبّابته تشير إلى مبعوثي قريش:
" ردّوا عليهما هداياهما, فلا حاجة لي بها...
فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي, فآخذ الرشوة فيه"...!!
وخرج مبعوثا قريش مخذولين, حيث وليّا وجهيهما من فورهما شطر مكة عائدين إليها...
وخرج المسلمون بزعامة جعفر ليستأنفوا حياتهم الآمنة في الحبشة, لابثين فيها كما قالوا:" بخير دار.. مع خير جار.." حتى يأذن الله لهم بالعودة إلى رسولهم وإخوانهم وديارهم...

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتفل مع المسلمين بفتح خيبر حين طلع عليهم قادما من الحبشة جعفر بن أبي طالب ومعه من كانوا لا يزالون في الحبشة من المهاجرين..
وأفعم قلب الرسول عليه الصلاة والسلام بمقدمة غبطة, وسعادة وبشرا..
وعانقه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:
" لا أدري بأيهما أنا أسرّ بفتح خيبر.. أم بقدوم جعفر..".

وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه إلى مكة, حيث اعتمروا عمرة القضاء, وعادوا إلى المدينة, وقد امتلأت نفس جعفر روعة بما سمع من أنباء إخوانه المؤمنين الذين خاضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر, وأحد.. وغيرهما من المشاهد والمغازي.. وفاضت عيناه بالدمع على الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه, وقضوا نحبهم شهداء أبرار..
وطار فؤداه شوقا إلى الجنة, وأخذ يتحيّن فرصة الشهادة ويترقب لحظتها المجيدة..!!

وكانت غزوة مؤتة التي أسلفنا الحديث عنها, تتحرّك راياتها في الأفق متأهبة للزحف, وللمسير..
ورأى جعفر في هذه الغزوة فرصة العمر, فإمّا أن يحقق فيها نصرا كبيرا لدين الله, وإما أن يظفر باستشهاد عظيم في سبيل الله..
وتقدّم من رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجوه أن يجعل له في هذه الغزوة مكانا..
كان جعفر يعلم علم اليقين أنها ليست نزهة.. بل ولا حربا صغيرة, إنما هي حرب لم يخض الإسلام منها من قبل.. حرب مع جيوش إمبراطورية عريضة باذخة, تملك من العتاد والأعداد, والخبرة والأموال ما لا قبل للعرب ولا للمسلمين به, ومع هذا طار شوقا إليها, وكان ثالث ثلاثة جعلهم رسول الله قواد الجيش وأمراءه..
وخرج الجيش وخرج جعفر معه..
والتقى الجمعان في يوم رهيب..

وبينما كان من حق جعفر أن تأخذ الرهبة عنده عندما بصر جيش الروم ينتظم مائتي ألف مقاتل, فانه على العكس, أخذته نشوة عارمة إذا أحسّ في أنفه المؤمن العزيز, واعتداد البطل المقتدر أنه سيقاتل أكفاء له وأندادا..!!
وما كادت الراية توشك على السقوط من يمين زيد بن حارثة, حتى تلقاها جعفر باليمين ومضى يقاتل بها في إقدام خارق.. إقدام رجل لا يبحث عن النصر, بل عن الشهادة...
وتكاثر عليه وحوله مقاتلي الروم, ورأى فرسه تعوق حركته فاقتحم عنها فنزل.. وراح يصوب سيفه ويسدده إلى نحور أعدائه كنقمة القدر.. ولمح واحدا من ألأعداء يقترب من فرسه ليعلو ظهرها, فعز عليه أن يمتطي صهوتها هذا الرجس, فبسط نحوها سيفه, وعقرها..!!
وانطلق وسط الصفوف المتكالبة عليه يدمدم كالإعصار, وصوته يتعالى بهذا الزجر المتوهج:
يا حبّذا الجنــــــة واقترابها طيّبة, وبارد شرابها
والروم روم, قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إذا لاقيتها ضرابها
وأدرك مقاتلو الروم مقدرة هذا الرجل الذي يقاتل, وكأنه جيش لجب..
وأحاطوا به في إصرار مجنون على قتله.. وحوصر بهم حصارا لا منفذ فيه لنجاة..
وضربوا بالسيوف يمينه, وقبل أن تسقط الراية منها على الأرض تلقاها بشماله.. وضربوها هي الأخرى, فاحتضن الراية بعضديه..
في هذه اللحظة تركّزت كل مسؤوليته في ألا يدع راية رسول الله صلى الله عليه وسلم تلامس التراب وهو حيّ..
وحين تكّومت جثته الطاهرة, كانت سارية الراية مغروسة بين عضدي جثمانه, ونادت خفقاتها عبدالله بن رواحة فشق الصفوف كالسهم نحوها, وأخذها في قوة, ومضى بها إلى مصير عظيم..!!

وهكذا صنع جعفر لنفسه موتة من أعظم موتات البشر..!!
وهكذا لقي الكبير المتعال, مضمّخا بفدائيته, مدثرا ببطولاته..
وأنبأ العليم الخبير رسوله بمصير المعركة, وبمصير جعفر, فاستودعه الله, وبكى..
وقام إلى بيت ابن عمّه, ودعا بأطفاله وبنيه, فشمّمهم, وقبّلهم, وذرفت عيناه..
ثم عاد إلى مجلسه, وأصحابه حافون به. ووقف شاعرالإسلام حسّان بن ثابت يرثي جعفر ورفاقه:

غداة مضوا بالمؤمنين يقودهــــم إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغرّ كضوء البدر من آل هاشــــم أبيّ إذا سيم الظلامة مجســــــر
فطاعن حتى مال غير موســــــــد لمعترك فيه القنا يتكسّــــــــــــر
فصار مع المستشهدين ثوابــــــه جنان, ومتلف الحدائق أخضــر
وكنّا نرى في جعفر من محمـــــد وفاء وأمرا حازما حين يأمــــر
فما زال في الإسلام من آل هاشم دعائم عز لا يزلن ومفخـــــــــر

وينهض بعد حسّان, كعب بن مالك, فيرسل شعره الجزل :

وجدا على النفر الذين تتابـعوايوما بمؤتة, أسندوا لم ينقلـــــــوا
صلى الإله عليهم من فتيـــــــةوسقى عظامهم الغمام المسبــــــل
صبروا بمؤتة للإله نفوســـهمحذر الردى, ومخافة أن ينكلـــــوا
إذ يهتدون بجعفر ولــــــــواؤهقدّام أولهم, فنـــــــــــــــــــعم الأول
حتى تفرّجت الصفوف وجعفرحيث التقى وعث الصــفوف مجدّل
فتغير القمر المنير لفقــــــــدهوالشمس قد كسفت, وكادت تـــأفل

وذهب المساكين جميعهم يبكون أباهم, فقد كان جعفر رضي الله عنه أبا المساكين..
يقول أبو هريرة:
" كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب"...
أجل كان أجود الناس بماله وهو حيّ.. فلما جاء أجله أبى إلا أن يكون من أجود الشهداء وأكثرهم بذلا لروحه وحيته..

يقول عبدالله بن عمر:
" كنت مع جعفر في غزوة مؤتة, فالتمسناه, فوجدناه وبه بضع وتسعون ما بين رمية وطعنة"..!!
بضع وتسعون طعنة سيف ورمية رمح..؟؟!!
ومع هذا, فهل نال القتلة من روحه ومن مصيره منالا..؟؟
أبدا.. وما كانت سيوفهم ورماحهم سوى جسر عبر عليه الشهيد المجيد إلى جوار الله الأعلى الرحيم, حيث نزل في رحابه مكانا عليّا..
انه هنالك في جنان الخلد, يحمل أوسمة المعركة على كل مكان من جسد أنهكته السيوف والرماح..
وان شئتم, فاسمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لقد رأيته في الجنّة.. له جناحان مضرّجان بالدماء.. مصبوغ القوادم"...!!!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:32 am

حبيب بن زيد ( أسطورة فداء وحب )

في بيعة العقبة الثانية التي مر بنا ذكرها كثيرا, والتي بايع الرسول صلى الله عليه وسلم فيها سبعون رجلا وسيدتان من أهل المدينة, كان حبيب بن زيد وأبوه زيد بن عاصم رضي الله عنهما من السبعين المباركين..
وكانت أمه نسيبة بنت كعب أولى السيدتان اللتين بايعتا رسول الله صلى الله عليه وسلم..
أم السيدة الثانية فكانت خالته..!!
هو إذن مؤمن عريق جرى الإيمان في أصلابه وترائبه..
ولقد عاش إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة لا يتخلف عن غزوة, ولا يقعد عن واجب..

وذات يوم شهد جنوب الجزيرة العربية كذابين عاتيين يدّعيان النبوة ويسوقان الناس إلى الضلال..
خرج أحدهما بصنعاء, وهو الأسود بن كعب العنسي..
وخرج الثاني باليمامة, وهو مسيلمة الكذاب..
وراح الكذابان يحرّضان الناس على المؤمنين الذين استجابوا لله, وللرسول في قبائلهما, ويحرّضان على مبعوثي رسول الله إلى تلك الديار..
وأكثر من هذا, راحا يشوّشان على النبوة نفسها, ويعيثان في الأرض فسادا وضلالا..

وفوجئ الرسول يوما بمبعوث بعثه مسيلمة يحمل منه كتابا يقول فيه "من مسيلمة رسول الله, إلى محمد رسول الله.. سلام عليك.. أم بعد, فاني قد أشركت في الأمر معك, وان لنا نصف الأرض, ولقريش نصفها, ولكنّ قريشا قوم يعتدون"..!!!
ودعا رسول الله أحد أصحابه الكاتبين, وأملى عليه ردّه على مسيلمة:
" بسم الله الرحمن الرحيم..
من محمد رسول الله, إلى مسيلمة الكذاب.
السلام على من اتبع الهدى..
أما بعد, فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده, والعاقبة للمتقين"..!!
وجاءت كلمات الرسول هذه كفلق الصبح. ففضحت كذاب بني حنيفة الذي ظنّ النبوّة ملكا, فراح يطالب بنصف الأرض ونصف العباد..!
وحمل مبعوث مسيلمة رد الرسول عليه السلام إلى مسيلمة الذي ازداد ضلالا وإضلالا..

ومضى الكذب ينشر إفكه وبهتانه, وازداد أذاه للمؤمنين وتحريضه عليهم, فرأى الرسول أن يبعث إليه رسالة ينهاه فيها عن حماقاته..
ووقع اختياره على حبيب بن زيد ليحمله الرسالة مسيلمة..
وسافر حبيب يغذّ الخطى, مغتبطا بالمهمة الجليلة التي ندبه إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ممنّيا نفسه بأن يهتدي إلى الحق, قلب مسيلمة فيذهب حبيب بعظيم الأجر والمثوبة.

وبلغ المسافر غايته..
وفضّ مسيلمة الكذاب الرسالة التي أغشاه نورها, فازداد إمعانا في ضلاله وغروره..
ولما لم يكن مسيلمة أكثر من أفّاق دعيّ, فقد تحلى بكل صفات الأفّاقين الأدعياء..!!
وهكذا لم يكن معه من المروءة ولا من العروبة والرجولة ما يردّه عن سفك دم رسول يحمل رسالة مكتوبة.. الأمر الذي كانت العرب تحترمه وتقدّسه..!!
وأراد قدر هذا الدين العظيم, الإسلام, أن يضيف إلى دروس العظمة والبطولة التي يلقيها على البشرية بأسرها, درسا جديدا موضوعه هذه المرة, وأستاذه أيضا, حبيب بن زيد..!!

جمع الكذاب مسيلمة قومه, وناداهم إلى يوم من أيامه المشهودة..
وجيء بمبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم, حبيب بن زيد, يحمل آثار تعذيب شديد أنزله به المجرمون, مؤملين أن يسلبوا شجاعة روحه, فيبدو أمام الجميع متخاذلا مستسلما, مسارعا إلى الإيمان بمسيلمة حين يدعى إلى هذا الإيمان أمام الناس.. وبهذا يحقق الكذاب الفاشل معجزة موهومة أمام المخدوعين به..

قال مسيلمة لـ حبيب:
" أتشهد أن محمدا رسول الله..؟
وقال حبيب:
نعم أشهد أن محمدا رسول الله.
وكست صفرة الخزي وجه مسيلمة وعاد يسأل:
وتشهد أني رسول الله..؟؟
وأجاب حبيب في سخرية قاتلة:
إني لا أسمع شيئا..!!
وتحوّلت صفرة الخزي على وجه مسيلمة إلى سواد حاقد مخبول..
لقد فشلت خطته, ولم يجده تعذيبه, وتلقى أمام الذين جمعهم ليشهدوا معجزته.. تلقى لطمة قوية أسقطت هيبته الكاذبة في الوحل..
هنالك هاج كالثور المذبوح, ونادى جلاده الذي أقبل ينخس جسد حبيب بسنّ سيفه..
ثم راح يقطع جسده قطعة قطعة, وبضعة بضعة, وعضوا عضوا..
والبطل العظيم لا يزيد على همهمة يردد بها نشيد إسلامه:
" لا إله إلا الله محمد رسول الله"..

لو أن حبيبا أنقذ حياته يومئذ بشيء من المسايرة الظاهرة لمسيلمة, طاويا على الإيمان صدره, لما نقض إيمانه شيئا, ولا أصاب إسلامه سوء..
ولكن الرجل الذي شهد مع أبيه, وأمه, وخالته, وأخيه بيعة العقبة, والذي حمل منذ تلك اللحظات الحاسمة المباركة مسؤولية بيعته وإيمانه كاملة غير منقوصة, ما كان له أن يوازن لحظة من نهار بين حياته ومبدئه..
ومن ثمّ لم يكن أمامه لكي يربح حياته كلها مثل هذه الفرصة الفريدة التي تمثلت فيها قصة إيمانه كلها.. ثبات, وعظمة, وبطولة, وتضحية, واستشهاد في سبيل الهدى والحق يكاد يفوق في حلاوته, وفي روعته كل ظفر وكل انتصار..!!

وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم نبأ استشهاد مبعوثه الكريم, واصطبر لحكم ربه, فهو يرى بنور الله مصير هذا الكذاب مسيلمة, ويكاد يرى مصرعه رأي العين..
أما نسيبة بنت كعب أم حبيب فقد ضغطت على أسنانها طويلا, ثم أطلقت يمينا مبررا لتثأرن لولدها من مسيلمة ذاته, ولتغوصنّ في لحمه الخبيث برمحها وسيفها..
وكان القدر الذي يرمق آنئذ جزعها وصبرها وجلدها, يبدي إعجابا كبيرا بها, ويقرر في نفس الوقت أن يقف بجوارها حتى تبرّ بيمينها..!!
ودارت من الزمان دورة قصيرة.. جاءت على أثرها الموقعة الخالدة, موقعة اليمامة..
وجهّز أبو بكر الصدّيق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الإسلام الذاهب إلى اليمامة حيث أعدّ مسيلمة أضخم جيش..
وخرجت نسيبة مع الجيش..
وألقت بنفسها في خضمّ المعركة, في يمناها سيف, وفي يسراها رمح, ولسانها لا يكفّ عن الصياح:
" أين عدوّ الله مسيلمة".؟؟
ولما قتل مسيلمة, وسقط أتباعه كالعهن المنفوش, وارتفعت رايات الإسلام عزيزة ظافرة.. وقفت نسيبة وقد ملأ جسدها الجليل, القوي بالجراح وطعنات الرمح..

وقفت تستجلي وجه ولدها الحبيب, الشهيد حبيب فوجدته يملأ الزمان والمكان..!!
أجل..
ما صوّبت نسيبة بصرها نحو راية من الرايات الخفاقة المنتصرة الضاحكة إلا رأت عليها وجه ابنها حبيب خفاقا.. منتصرا.. ضاحكا..


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:32 am

حذيفة بن اليمان ( عدوّ النفاق وصديق الوضوح )

خرج أهل المدائن أفواجا يستقبلون واليهم الجديد الذي اختاره لهم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه..
خرجوا تسبقهم أشواقهم إلى هذا الصحابي الجليل الذي سمعوا الكثير عن ورعه وتقاه.. وسمعوا أكثر عن بلائه العظيم في فتوحات العراق..
وإذ هم ينتظرون الموكب الوافد, أبصروا أمامهم رجلا مضيئا, يركب حمارا على ظهره إكاف قديم, وقد أسدل الرجل ساقيه, وأمسك بكلتا يديه رغيفا وملحا, وهو يأكل ويمضغ طعامه..!
وحين توسط جمعهم, وعرفوا أنه حذيفة بن اليمان الوالي الذي ينتظرون, كاد صوابهم يطير..!!
ولكن فيم العجب..؟!
وماذا كانوا يتوقعون أن يجيء في اختيار عمر..؟!
الحق أنهم معذورون, فما عهدت بلادهم أيام فارس, ولا قبل فارس ولاة من هذا الطراز الجليل.!!

وسار حذيفة, والناس محتشدون حوله, وحافون به..
وحين رآهم يحدّقون فيه كأنهم ينتظرون منه حديثا, ألقى على وجوههم نظرة فاحصة ثم قال:
" إياكم ومواقف الفتن"..!!
قالوا:
وما مواقف الفتن يا أبا عبدالله..!!
قال:
" أبواب الأمراء"..
يدخل أحدكم على الوالي أو الأمير, فيصدّقه بالكذب, ويمتدحه بما ليس فيه"..!
وكان استهلالا بارعا, بقدر ما هو عجيب..!!
واستعاد الأنس موفورهم ما سمعوه عن واليهم الجديد, من أنه لا يمقت في الدنيا كلها ولا يحتقر من نقائصها شيئا أكثر مما يمقت النفاق ويحتقره.
وكان هذا الاستهلال أصدق تعبير عن شخصية الحاكم الجديد, وعن منهجه في الحكم والولاية..

فـحذيفة بن اليمان رجل جاء الحياة مزودا بطبيعة فريدة تتسم ببغض النفاق, وبالقدرة الخارقة على رؤيته في مكامنه البعيدة.
ومنذ جاء هو أخوه صفوان في صحبة أبيهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنق ثلاثتهم الإسلام, والإسلام يزيد موهبته هذه مضاء وصقلا..
فلقد عانق دينا قويا, نظيفا, شجاعا قويما.. يحتقر الجبن والنفاق, والكذب...
وتأدّب على يدي رسول الله واضح كفلق الصبح, لا تخفى عليهم من حياته, ولا من أعماق نفسه خافية.. صادق وأمين..يحب الأقوياء في الحق, ويمقت الملتوين والمرائين والمخادعين..!!

فلم يكن ثمة مجال ترعرع فيه موهبة حذيفة وتزدهر مثل هذا المجال, في رحاب هذا الدين, وبين يدي هذا الرسول, ووسط هذا الرعيل العظيم من الأصحاب..!!
ولقد نمت موهبته فعلا أعظم نماء.. وتخصص في قراءة الوجوه والسرائر.. يقرأ الوجوه في نظرة.. ويبلوكنه الأعماق المستترة, والدخائل المخبوءة. في غير عناء..
ولقد بلغ من ذلك ما يريد, حتى كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه, وهو الملهم الفطن الأريب, يستدل برأي حذيفة, وببصيرته في اختيار الرجال ومعرفتهم.
ولقد أوتي حذيفة من الحصافة ما جعله يدرك أن الخير في هذه الحياة واضح لمن يريده.. وإنما الشر هو الذي يتنكر ويتخفى, ومن ثم يجب على الأريب أن يعنى بدراسة الشر في مآتيه, ومظانه..
وهكذا عكف حذيفة رضي الله عنه على دراسة الشر والأشرار, والنفاق والمؤمنين..
يقول:
" كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير, وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني..
قلت: يا رسول الله فهل بعد هذا الخير من شر؟
قال: نعم..
قلت: فهل بعد هذا الشر من خير؟
قال: نعم, وفيه دخن..
قلت: وما دخنه..؟
قال: قوم يستنون بغير سنتي.. ويهتدون يغير هديي, وتعرف منهم وتنكر..
قلت: وهل بعد ذلك الخير من شر..؟
قال: نعم! دعاة على أبواب جهنم, من أجابهم إليها قذفوه فيها..
قلت: يا رسول الله, فما تأمرني إن أدركني ذلك..؟
قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم..
قلت: فان لم يكن لهم جماعة ولا إمام..؟؟
قال: تعتزل تلك الفرق كلها, ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك"..!!
أرأيتم قوله:" كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير, وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني"..؟؟

لقد عاش حذيفة بن اليمان مفتوح البصر والبصيرة على مآتي الفتن, مسالك الشرور ليتقها, وليحذر الناس منها. ولقد أفاء عليه هذا بصرا بالدنيا, وخبرة بالإنس, ومعرفة بالزمن.. وكان يدير المسائل في فكره وعقله بأسلوب فيلسوف, وحصانة حكيم...

ويقول رضي الله عنه:
" إن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم, فدعا الإنس من الضلالة إلى الهدى, ومن الكفر إلى الإيمان, فاستجاب له من استجاب, فحيي بالحق من كان ميتا...
ومات بالباطل من كان حيا..
ثم ذهبت النبوة وجاءت الخلافة على مناهجها..
ثم يكون ملكا عضوضا..!!
فمن الإنس من ينكر بقلبه, ويده ولسانه.. أولئك استجابوا لحق..
ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه, كافا يده, فهذا ترك شعبة من الحق..
ومنهم من ينكر بقلبه, كافا يده ولسانه, فهذا ترك شعبتين من الحق..
ومنهم من لا ينكر بقلبه ولا بيده ولا بلسانه, فذلك ميّت الأحياء"...!

ويتحدّث عن القلوب وعن حياة الهدى والضلال فيها فيقول:
" القلوب أربعة:
قلب أغلف, فذلك قلب الكافر..
وقلب مصفح, فذلك قلب المنافق..
وقلب أجرد, فيه سراج يزهر, فذلك قلب المؤمن..
وقلب فيه نفاق وإيمان, فمثلالإيمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب.. ومثل النفاق كقرحة يمدّها قيح ودم: فأيهما غلب, غلب"...!!

وخبرة حذيفة بالشر, وإصراره على مقاومته وتحدّيه, أكسبا لسانه وكلماته شيئا من الحدّة, وينبأ هو بهذا في شجاعة نبيلة:
فيقول:
" جئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله, إن لي لسانا ذربا على أهلي, وأخشى أن يدخلني النار..
فقال لي النبي عليه الصلاة والسلام: فأين أنت من الاستغفار..؟؟ إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة"...

هذا هو حذيفة عدو النفاق, صديق الوضوح..
ورجل من هذا الطراز, لا يكون إيمانه إلا وثيقا.. ولا يكون ولاؤه إلا عميقا.. وكذلكم كان حذيفة في إيمانه وولائه..
لقد رأى أباه المسلم يصرع يوم أحد..وبأيد مسلمة, قتلته خطأ وهي تحسبه واحدا من المشريكن..!!
وكان حذيفة يتلفت مصادفة, فرأى السيوف تنوشه, فصاح في ضاربيه: أبي... أبي.. انه أبي..!!
لكن القضاء كان قد حم..

وحين عرف المسلمون, تولاهم الحزن والوجوم.. لكنه نظر إليهم نظرة إشفاق ومغفرة, وقال:
" يغفر الله لكم, وهو أرحم الراحمين"..
ثم انطلق بسيفه صوب المعركة المشبوبة يبلي فيها بلاءه, ويؤدي واجبه..
وتنتهي المعركة, ويبلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بالدية عن والد حذيفة "حسيل بن جابر" رضي الله عنه, ويتصدّق بها على المسلمين, فيزداد الرسول حبا له وتقديرا...

وإيمان حذيفة وولاؤه, لا يعترفان
بالعجز, ولا بالضعف..بل ولا بالمستحيل....
في غزوة الحندق..وبعد أن دبّ الفشل في صفوف كفار قريش وحلفائهم من اليهود, أراد رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يقف على آخر تطوّرات الموقف هناك في معسكر أعدائه.

كان الليل مظلما ورهيبا.. وكانت العواصف تزأر وتصطخب, كأنما تريد أن تقتلع جبال الصحراء الراسيات من مكانها.. وكان الموقف كله بما فيه من حصار وعناد وإصرار يبعث على الخوف والجزع, وكان الجوع المضني قد بلغ مبلغا وعرا بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم..
فمن يملك آنئذ القوة,وأي قوة ليذهب وسط مخاطر حالكة إلى معسكر الأعداء ويقتحمه, أو يتسلل داخله ثم يبلوا أمرهم ويعرف أخبارهم..؟؟
إن الرسول هو الذي سيختار من أصحابه من يقوم بهذه المهمة البالغة العسر..
ترى من يكون البطل..؟
انه هو..حذيفة بن اليمان..!
دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فلبى, ومن صدقه العظيم يخبرنا وهو يروي النبأ أنه لم يكن يملك إلا أن يلبي.. مشيرا بهذا إلى أنه كان يرهب المهمة الموكولة إليه, ويخشى عواقبها, والقيام بها تحت وطأة الجوع, والصقيع, والإعياء الجديد الذي خلفهم فيه حصار المشركين شهرا أو يزيد..!
وكان أمر حذيفة تلك الليلة عجيبا...
فاقد قطع المسافة بين المعسكرين, واخترق الحصار.. وتسلل إلى معسكر قريش, وكانت الريح العاتية قد أطفأت نيران المعسكر, فخيّم عليه الظلام,واتخذ حذيفة رضي الله عنه مكانه وسط صفوف المحاربين...
وخشي أبوسفيان قائد قريش, أن يفاجئهم الظلام بمتسللين من المسلمين, فقام يحذر جيشه, وسمعه حذيفة يقول بصوته المرتفع:
" يا معشر قريش, لينظر كل منكم جليسه, وليأخذ بيده, وليعرف اسمه".
يقول حذيفة"
" فسارعت إلى يد الرجل الذي بجواري, وقلت لهمن أنت..؟ قال: فلان بن فلان؟"...
وهكذا أمّن وجوده بين الجيش في سلام..!
واستأنف أبو سفيان نداءه إلى الجيش قائلا:" يا معشر قريش.. إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام.. لقد هلكت الكراع _ أي الخيل_ والخف_ أي الإبل_, وأخلفتنابنو قريظة, وبلغنا عنهم الذي نكره, ولقينا من شدّة الريح, ما تطمئن لنا قدر, ولا تقوم لنا نار, ولا يستمسك لنا بناء, فارتحلوا فاني مرتحل"..
ثم نهض فوق جمله, وبدأ المسير فتبعه المحاربون..
يقول حذيفة:
" لولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليّ ألا تحدث شيئا حتى تأتيني, لقتلته بسهم"..
وعاد حذيفة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فأخبره الخبر, وزف البشرى إليه...

ومع هذا فإن حذيفة يخلف في هذا المجال كل الظنون..
ورجل الصومعة العابد, المتأمل لا يكاد يحمل سيفه ويقابل جيوش الوثنية والضلال حتى يكشف لنا عن عبقرية تبهر الأبصار..
وحسبنا أن نعلم, أنه كان ثالث ثلاثة, أو خامس خمسة كانوا أصحاب السبق العظيم في فتوح العراق جميعها..!

وفي همدان والري والدينور تم الفتح على يديه..
وفي معركة نهاوند العظمى, حيث احتشد الفرس في مائة ألف مقاتل وخمسين ألفا.. اختار عمر لقيادة الجيوش المسلمة النعمان بن مقرّن ثم كتب إلى حذيفة أن يسير إليه على رأس جيش من الكوفة..
وأرسل عمر إلى المقاتلين كتابه يقول:
" إذا اجتمع المسلمون فليكن على كل أمير جيشه.. وليكن أمير الجيوش جميعها النعمان بن مقرّن..
فإذا استشهد النعمان, فليأخذ الراية حذيفة, فإذا استشهد فجرير بن عبدالله..
وهكذا مضى أمير المؤمنين يختار قوّاد المعركة حتى سمّى منهم سبع...
والتقى الجيشان..
الفرس في مائة ألف وخمسين ألفا..
والمسلمون في ثلاثين ألفا لاغير...
وينشب قتال يفوق كل تصور ونظير ودارت معركة من أشد معارك التاريخ فدائية وعنفا..
وسقط قائد المسلمين قتيلا, سقط النعمان بن مقرّن, وقبل أن تهوي الراية المسلمة إلى الأرض كان القائد الجديد قد تسلمها بيمينه, وساق بها رياح النصر في عنفوان لجب واستبسال عظيم... ولم يكن هذا القائد سوى حذيفة بن اليمان...
حمل الراية من فوره, وأوصى بألا نذع نبأ موت النعمان حتى تنجلي المعركة.. ودعا نعيم بن مقرن فجعله مكان أخيه النعمان تكريما له..
أنجزت المهمة في لحظات والقتال يدور, بديهيته المشرقة.. ثم انثنى كالإعصار المدمدم على صفوف الفرس صائحا:
" الله أبكر صدق وعده!!
الله أكبر نصر جنده!!"
ثم لوى زمام فرسه صوب المقاتلين في جيوشه ونادى: يا أتباع محمد.. هاهي ذي جنان الله تتهيأ لاستقبالكم فلا تطيلوا عليها الانتظار..
هيا يا رجال بدر..
تقدموا يا أبطال الخندق وأحد وتبوك..
لقد احتفظ حذيفة بكل حماسة المعركة وأشواقها, إن لم يكن قد زاد منها وفيها..
وانتهى القتال بهزيمة ساحقة للفرس.. هزيمة لا نكاد نجد لها نظيرا..!!

هذا العبقري في حمته, حين تضمّه صومعته..
والعبقري في فدائيته, حين يقف فوق أرض القتال..
هو كذلك العبقري في كل مهمةتوكل إليه, ومشورةتطلب منه.. فحين انتقل سعد بن أبي وقاص والمسلمون معه من المدائن إلى الكوفة واستوطنوها..
وذلك بعد أن أنزل مناخ المدائن بالعرب المسلمين أذى بليغا.
مما جعل عمر يكتب إلى سعد كي يغادرها فورا بعد أن يبحث عن أكثر البقاع ملاءمة, فينتقل بالمسلمين إليها..
يومئذ من الذي وكل إليه أمر اختيار البقعة والمكان..؟
إنه حذيفة بن اليمان.. ذهب ومعه سلمان بن زياد, يرتادان لمسلمين المكان الملائم..
فلما بلغا أرض الكوفة, وكانت حصباء جرداء مرملة. شمّ حذيفة عليها أنسام العافية, فقال لصاحبه: هنا المنزل ان شاء الله..
وهكذا خططت الكوفة وأحالتها يد التعمير إلى مدينة عامرة...
وما كاد المسلمون ينتقلون إليها, حتى شفي سقيمهم. وقوي ضعيفهم. ونبضت بالعافية عروقهم..!!
لقد كان حذيفة واسع الذكاء, متنوع الخبرة, وكان يقول للمسلمين دائما:
" ليس خياركم الذين يتركون الدنيا للآخرة.. ولا الذين يتركون الآخرة للدنيا.. ولكن الذين يأخذون من هذه ومن هذه"...

وذات يوم من أيام العام الهجري السادس والثلاثين..دعي للقاء الله.. وإذ هو يتهيأ للرحلة الأخيرة دخل عليه بعض أصحابه, فسألهم:
أجئتم معكم بأكفان..؟؟
قالوا: نعم..
قال: أرونيها..
فلما رآها, وجدها جديدة فارهة..
فارتسمت على شفتيه آخر بسماته الساخرة, وقال لهم:
" ما هذا لي بكفن.. إنما يكفيني لفافتان بيضاوان ليس معهما قميص..
فاني لن أترك في القبر الا قليلا, حتى أبدّل خيرا منهما... أو شرّ منهما"..!!
وتمتم بكلمات, ألقى الجالسون أسماعهم فسمعوها:
" مرحبا بالموت..
حبيب جاء على شوق..
لا أفلح من ندم"..
وصعدت إلى الله روح من أعظم أرواح البشر, ومن أكثرها تقى, وتآلقا, واخباتا...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:33 am

حمزة بن عبد المطلب ( أسد الله وسيّد الشهداء )

كانت مكة تغطّ في نومها, بعد يوم مليء بالسعي, وبالكدّ, وبالعبادة وباللهو..
والقرشيون يتقلبون في مضاجعهم هاجعين.. غير واحد هناك يتجافى عن المضجع جنباه, يأوي إلى فراشه مبركا, ويستريح ساعات قليلة, ثم ينهض في شوق عظيم, لأنه مع الله على موعد, فيعمد إلى مصلاه في حجرته, ويظل يناجي ربه ويدعوه.. وكلما استيقظت زوجته على أزير صدره الضارع وابتهالاته الحارة الملحة, وأخذتها الشفقة عليه, ودعته أن يرفق بنفسه ويأخذ حظه من النوم, يجيبها ودموع عينيه تسابق كلماته:
" لقد انقضى عهد النوم يا خديجة"..!!
لم يكن أمره قد أرّق قريش بعد, وان كان قد بدأ يشغلا انتباهها, فلقد كان حديث عهد بدعوته, وكان يقول كلمته سرا وهمسا.
كان الذين آمنوا به يومئذ قليلين جدا..
وكان هناك من غير المؤمنين به من يحمل له كل الحب والإجلال, ويطوي جوانحه على شوق عظيم إلى الإيمان به والسير في قافلته المباركة, لا يمنعه سوى مواضعات العرف والبيئة, وضغوط التقاليد والوراثة, والتردد بين نداء الغروب, ونداء الشروق.
من هؤلاء كان حمزة بن عبد المطلب.. عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة.

كان حمزة يعرف عظمة ابن أخيه وكماله.. وكان على بيّنة من حقيقة أمره, وجوهر خصاله..
فهو لا يعرف معرفة العم بابن أخيه فحسب, بل معرفة الأخ بالأخ, والصديق بالصديق.. ذلك أن رسول الله وحمزة من جيل واحد, وسن متقاربة. نشأ معا وتآخيا معا, وسارا معا على الدرب من أوله خطوة خطوة..

ولئن كان شباب كل منهما قد مضى في طريق, فأخذ حمزة يزاحم أنداده في نيل طيبات الحياة, وإفساح مكان لنفسه بين زعماء مكة وسادات قريش.. في حين عكف محمد على أضواء روحه التي انطلقت تنير له الطريق إلى الله وعلى حديث قلبه الذي نأى به من ضوضاء الحياة إلى التأمل العميق, وإلى التهيؤ لمصافحة الحق وتلقيه..
نقول لئن كان شباب كل منهما قد اتخذ وجهة مغايرة, فان حمزة لم تغب عن وعيه لحظة من نهار فضائل تربه وابن أخيه.. تلك الفضائل والمكارم التي كانت تحلّ لصاحبها مكانا عليّا في أفئدة الناس كافة, وترسم صورة واضحة لمستقبله العظيم.
في صبيحة ذلك اليوم, خرج حمزة كعادته.
وعند الكعبة وجد نفرا من أشراف قريش وساداتها فجلس معهم, يستمع لما يقولون..
وكانوا يتحدثون عن محمد..
ولأول مرّة رآهم حمزة يستحوذ عليهم القلق من دعوة ابن أخيه.. وتظهر في أحاديثهم عنه نبرة الحقد, والغيظ والمرارة.
لقد كانوا من قبل لا يبالون, أو هم يتظاهرون بعدم الاكتراث واللامبالاة.
أما اليوم, فوجوههم تموج موجا بالقلق, والهمّ, والرغبة في الافتراس.
وضحك حمزة من أحاديثهم طويلا.. ورماهم بالمبالغة, وسوء التقدير..

وعقب أبو جهل مؤكدا لجلسائه أن حمزة أكثر الإنس علما بخطر ما يدعو إليه محمد ولكنه يريد أم يهوّن الأمر حتى تنام قريش, ثم تصبح يوما وقد ساء صاحبها, وظهر أمر ابن أخيه عليها...
ومضوا في حديثهم يزمجرون, ويتوعدون.. وحمزة يبتسم تارّة, ويمتعض أخرى, وحين انفض الجميع وذهب كل إلى سبيله, كان حمزة مثقل الرأس بأفكار جديدة, وخواطر جديدة. راح يستقبل بها أمر ابن أخيه, ويناقشه مع نفسه من جديد...!!!

ومضت الأيام, ينادي بعضها بعضا ومع كل يوم تزداد همهمة قريش حول دعوة الرسول..
ثم تتحوّل همهمة قريش إلى تحرّش. وحمزة يرقب الموقف من بعيد..
إن ثبات ابن أخيه ليبهره.. وان تفانيه في سبيل إيمانه ودعوته لهو شيء جديد على قريش كلها, برغم ما عرفت من تفان وصمود..!!
ولو استطاع الشك يومئذ أن يخدع أحدا عن نفسه في صدق الرسول وعظمة سجاياه, فما كان هذا الشك بقادر على أن يجد إلى وعي حمزة منفا أو سبيلا..
فحمزة خير من عرف محمدا, من طفولته الباكرة, إلى شباب الطاهر, إلى رجولته الأمينة السامقة..
انه يعرفه تماما كما يعرف نفسه, بل أكثر مما يعرف نفسه, ومنذ جاءا إلى الحياة معا, وترعرعا معا, وبلغا أشدّهما معا, وحياة محمد كلها نقية كأشعة الشمس..!! لا يذكر حمزة شبهة واحدة ألمّت بهذه الحياة, لا يذكر أنه رآه يوما غاضبا, أو قانطا, أو طامعا,أو لاهيا, أو مهزوزا...
وحمزة لم يكن يتمتع بقوة الجسم فحسب, بل وبرجاحة العقل, وقوة الإرادة أيضا..
ومن ثم لم يكن من الطبيعي أن يتخلف عن متابعة إنسان يعرف فيه كل الصدق وكل الأمانة.. وهكذا طوى صدره إلى حين على أمر سيتكشّف في يوم قريب..

وجاء اليوم الموعود..
وخرج حمزة من داره,متوشحا قوسه, ميمّما وجهه شطر الفلاة ليمارس هوايته المحببة, ورياضته الأثيرة, الصيد.. وكان صاحب مهارة فائقة فيه..
وقضى هناك بعض يومه, ولما عاد من قنصه, ذهب كعادته إلى الكعبة ليطوف بها قبل أن يقفل راجعا إلى داره.
وقريبا من الكعبة, لقته خادم لعبدالله بن جدعان..
ولم تكد تبصره حتى قالت له:
" يا أبا عمارة.. لو رأيت ما في ابن أخيك محمد آنفا, من أبي الحكم بن هشام.. وجده جالسا هناك , فآذاه وسبّه وبلغ منه ما يكره"..
ومضت تشرح له ما صنع أبو جهل برسول الله..
واستمع حمزة جيدا لقولها, ثم أطرق لحظة, ثم مد يمينه إلى قوسه فثبتها فوق كتفه.. ثم انطلق في خطى سريعة حازمة صوب الطعبة راجيا أن يلتقي عندها بأبي جهل.. فان هو لم يجده هناك, فسيتابع البحث عنه في كل مكان حتى يلاقيه..
ولكنه لا يكاد يبلغ الكعبة, حتى يبصر أبا جهل في فنائها يتوسط نفرا من سادة قريش..
وفي هدوء رهيب, تقدّم حمزة من أبي جهل, ثم استلّ قوسه وهوى به على رأس أبي جهل فشجّه وأدماه, وقبل أن يفيق الجالسون من الدهشة, صاح حمزة في أبي جهل:
" أتشتم محمدا, وأنا على دينه أقول ما يقول..؟! إلا فردّ ذلك عليّ إن استطعت"..

وفي لحظة نسي الجالسون جميعا الإهانة التي نزلت بزعيمهم أبي جهل والدم لذي ينزف من رأسه, وشغلتهم تلك الكلمة التي حاقت بهم كالصاعقة.. الكلمة التي أعلن بها حمزة أنه على دين محمد يرى ما يراه, ويقول ما يقوله..
أحمزة يسلم..؟
أعزّ فتيان قريش وأقواهم شكيمة..؟؟
أنها الطامّة التي لن تملك قريش لها دفعا.. فإسلام حمزة سيغري كثيرين من الصفوة بالإسلام, وسيجد محمد حوله من القوة والبأس ما يعزز دعوته ويشدّ أزره, وتصحو قريش ذات يوم على هدير المعاول تحطم أصنامها وآلهتها..!!
أجل أسلم حمزة, وأعلن على الملأ الأمر الذي كان يطوي عليه صدره, وترك الجمع الذاهل يجترّ خيبة أمله, وأبا جهل يلعق دماءه النازفة من رأسه المشجوج.. ومدّ حمزة يمينه مرّة أخرى إلى قوسه فثبتها فوق كتفه, واستقبل الطريق إلى داره في خطواته الثابتة, وبأسه الشديد..!

كان حمزة يحمل عقلا نافذا, وضميرا مستقيما..
وحين عاد إلى بيته ونضا عنه متاعب يومه. جلس يفكر, ويدير خواطره على هذا الذي حدث له من قريب..
كيف أعلن إسلامه ومتى..؟
لقد أعلنه في لحظات الحميّة, والغضب, والانفعال..
لقد ساءه أن يساء إلى ابن أخيه, ويظلم دون أن يجد له ناصرا, فيغضب له, وأخذته الحميّة لشرف بني هاشم, فشجّ رأس أبي جهل وصرخ في وجهه بإسلامه...
ولكن هل هذا هو الطريق الأمثل لك يترك الإنسان دين آبائه وقومه... دين الدهور والعصور.. ثم يستقبل دينا جديدا لم يختبر بعد تعاليمه, ولا يعرف عن حقيقته إلا قليلا..
صحيح أنه لا يشك لحظة في صدق محمد ونزاهة قصده..
ولكن أيمكن أن يستقبل امرؤ دينا جديدا, بكل ما يفرضه من مسؤوليات وتبعات, في لحظة غضب, مثلما صنع حمزة الآن..؟؟؟

وشرع يفكّر.. وقضى أياما, لا يهدأ له خاطر.. وليالي لا يرقأ له فيها جفن..
وحين ننشد الحقيقة بواسطة العقل, يفرض الشك نفسه كوسيلة إلى المعرفة.
وهكذا, لم يكد حمزة يستعمل في بحث قضية الإسلام, ويوازن بين الدين القديم, والدين الجديد, حتى ثارت في نفسه شكوك أرجاها الحنين الفطري الموروث إلى دين آبائه.. والتهيّب الفطري الموروث من كل جيد..

واستيقظت كل ذكرياته عن الكعبة, وآلهاها وأصنامها... وعن الأمجاد الدينية التي أفاءتها هذه الآلهة المنحوتة على قريش كلها, وعلى مكة بأسرها.
لقد كان يطوي صدره على احترام هذه الدعوة الجديدة التي يحمل ابن أخيه لواءها..
ولكن اذا كان مقدورا له أن يكون أحد أتباع هذه الدعوة, المؤمنين بها, والذائدين عنها.. فما الوقت المناسب للدخول في هذا الدين..؟
لحظة غضب وحميّة..؟ أم أوقات تفكير ورويّة..؟
وهكذا فرضت عليه استقامة ضميره, ونزاهة تفكيره أن يخضع المسألة كلها من جديد لتفكر صارم ودقيق..

وبدأ الانسلاخ من هذا التاريخ م\كله.. وهذا الدين القديم العريق, هوّة تتعاظم مجتازها..
وعجب حمزة كيف يتسنى لإنسان أن يغادر دين آبائه بهذه السهولة وهذه السرعة.. وندم على ما فعل.. ولكنه واصل رحلة العقل.. ولما رأى أن العقل وحده لا يكفي لجأ إلى الغيب بكل إخلاصه وصدقه..
وعند الكعبة, كان يستقبل السماء ضارعا, مبتهلا, مستنجدا بكل ما في الكون من قدرة ونور, كي يهتدي إلى الحق وإلى الطريق المستقيم..
ولنضع إليه وهو يروي بقية النبأ فيقول:
".. ثم أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي.. وبت من الشك في أمر عظيم, لا أكتحل بنوم..
ثم أتيت الكعبة, وتضرّعت إلى الله أن يشرح صدري للحق, ويذهب عني الريب.. فاستجاب الله لي وملأ قلبي يقينا..
وغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما كان من أمري, فدع الله أن يثبت قلبي على دينه.."
وهكذا أسلم حمزة إسلام اليقين..

أعز الله الإسلام بحمزة ووقف شامخا قويا يذود عن رسول الله, وعن المستضعفين من أصحابه..
ورآه أبو جهل يقف في صفوف المسلمين, فأدرك أنها الحرب لا محالة, وراح يحرّض قريشا على إنزال الأذى بالرسول وصحبه, ومضى يهيئ لحرب أهليّة يشفي عن طرقها مغايظة وأحقاده..
ولم يستطع حمزة أن يمنع كل الأذى ولكن إسلامه مع ذلك كان وقاية ودرعا.. كما كان إغراء ناجحا لكثير من القبائل التي قادها إسلام حمزة أولا. ثم إسلام عمر بن الخطاب بعد ذلك إلى الإسلام فدخلت فيه أفواجا..!!
ومنذ أسلم حمزة نذر كل عافيته, وبأسه, وحياته, لله ولدينه حتى خلع النبي عليه هذا اللقب العظيم:
"أسد الله, وأسد رسوله"..
وأول سرية خرج فيها المسلمون للقاء عدو, كان أميرها حمزة..
وأول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين كانت لحمزة..
ويوم التقى الجمعان في غزوة بدر, كان أسد الله ورسوله هناك يصنع الأعاجيب..!!

وعادت فلول قريش من بدر إلى مكة تتعثر في هزيمتها وخيبتها... ورجع أبو سفيان مخلوع القلب, مطأطئ الرأس{وقد خلّف على أرض المعركة جثث سادة قريش, من أمثال أبي جهل.. وعتبة بن ربيعة, وشيبة بن ربيعة, وأميّة بن خلف. وعقبة بن أبي معيط.. والأسود بن عبدالله المخزومي, والوليد بن عتبة.. والنفر بن الحارث.. والعاص بن سعيد.. وطعمة ابن عديّ.. وعشرات مثلهم من رجال قريش وصناديدها.
وما كانت قريش لتتجرّع هذه الهزيمة المنكرة في سلام... فراحت تعدّ عدّتها وتحشد بأسها, لتثأر لنفسها ولشرفها ولقتلاها.. وصمّمت قريش على الحرب..


وجاءت غزوة أحد حيث خرجت قريش على بكرة أبيها, ومعها حلفاؤها من قبائل العرب, وبقيادة أبي سفيان مرة أخرى.
وكان زعماء قريش يهدفون بمعركتهم الجديدة هذه إلى رجلين اثنين: الرسول صلى اله عليه وسلم, وحمزة رضي الله عنه وأرضاه..
أجل والذي كان يسمع أحاديثهم ومؤامراتهم قبل الخروج للحرب, يرى كيف كان حمزة بعد الرسول بيت القصيد وهدف المعركة..

ولقد اختاروا قبل الخروج, الرجل الذي وكلوا إليه أمر حمزة, وهو عبد حبشي, كان ذا مهارة خارقة في قذف الحربة, جعلوا كل دوره في المعركة أن يتصيّد حمزة ويصوّب إليه ضربة قاتلة من رمحه, وحذروه من أن ينشغل عن هذه الغاية بشيء آخر, مهما يكن مصير المعركة واتجاه القتال.
ووعدوه بثمن غال وعظيم هو حريّته.. فقد كان الرجل واسمه وحشي عبدا لجبير بن مطعم.. وكان عم جبير قد لقي مصرعه يوم بدر فقال له جبير"
" اخرج مع الناس وان أنت قتلت حمزة فأنت عتيق"..!!
ثم أحالوه إلى هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان لتزيده تحريضا ودفعا إلى الهدف الذي يريدون..
وكانت هند قد فقدت في معركة بدر أباها, وعمها, وأخاها, وابنها.. وقيل لها إن حمزة هو الذي قتل بعض هؤلاء, وأجهز على البعض الآخر..
من أجل هذا كانت أكثر القرشيين والقرشيّات تحريضا على الخروج للحرب, لا لشيء إلا لتظفر برأس حمزة مهما يكن الثمن الذي تتطلبه المغامرة..!!
ولقد لبثت أياما قبل الخروج للحرب, ولا عمل لها إلا إفراغ كل حقدها في صدر وحشي ورسم الدور الذي عليه أن يقوم به..

ولقد وعدته إن هو نجح في قتل حمزة بأثمن ما تملك المرأة من متاع وزينة, فلقد أمسكت بأناملها الحاقدة قرطها اللؤلئي الثمين وقلائدها الذهبية التي تزدحم حول عنقها, ثم قالت وعيناها تحدّقان في وحشي:
" كل هذا لك, إن قتلت حمزة"..!!
وسال لعاب وحشي, وطارت خواطره توّاقة مشتاقة إلى المعركة التي سيربح فيها حريّته, فلا يصير بعد عبدا أو رقيقا, والتي سيخرج منها بكل هذا الحلي الذي يزيّن عنق زعيمة نساء قريش, وزوجة زعيمها, وابنة سيّدها..!!
كانت المؤامرة إذن.. وكانت الحرب كلها تريد حمزة رضي الله عنه بشكل واضح وحاسم..

وجاءت غزوة أحد...
والتقى الجيشان. وتوسط حمزة أرض الموت والقتال, مرتديا لباس الحرب, وعلى صدره ريشة النعام التي تعوّد أن يزيّن بها صدره في القتال..
وراح يصول ويجول, لا يريد رأسا إلا قطعه بسيفه, ومضى يضرب في المشركين, وكأن المنايا طوع أمره, يقف بها من يشاء فتصيبه في صميمه.!!

وصال المسلمون جميعا حتى قاربوا النصر الحاسم.. وحتى أخذت فلول قريش تنسحب مذعورة هاربة.. ولولا أن ترك الرماة مكانهم فوق الجبل, ونزلوا إلى أرض المعركة ليجمعوا غنائم العدو المهزوم.. لولا تركهم مكانهم وفتحوا الثغرة الواسعة لفرسان قريش لكانت غزوة أحد مقبرة لقريش كلها, رجالها, ونسائها بل وخيلها وإبلها..!!

لقد دهم فرسانها المسلمين من ورائهم على حين غفلة, واعملوا فيهم سيوفهم الظامئة المجنونة.. وراح المسلمون يجمعون أنفسهم من جديدو ويحملون سلاحهم الذي كان بعضهم قد وضعه حين رأى جيش محمد ينسحب ويولي الأدبار.. ولكن المفاجأة كانت قاسية عنيفة.
ورأى حمزة ما حدث فضاعف قوته ونشاطه وبلاءه..
وأخذ يضرب عن يمينه وشماله.. وبين يديه ومن خلفه.. ووحشيّ هناك يراقبه, ويتحيّن الفرصة الغادرة ليوجه نحوه ضربته..
ولندع وحشيا يصف لنا المشهد بكلماته:
[.. وكنت رجلا حبشيا, أقذف بالحربة قذف لحبشة, فقلما أخطئ بها شيئا.. فلما التقى الإنس خرجت أنظر حمزة وأتبصّره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق.. يهدّ الناس بسيفه هدّا, ما يقف أمامه شيء, فوالله إني لأتهيأ له أريده, وأستتر منه بشجرة لأقتحمه أو ليدنو مني, إذ تقدّمني إليه سباع بن عبد العزى. فلما رآه حمزة صاح به: هلمّ إليّ يا بن مقطّعة البظرو. ثم ضربه ضربة فما أخطأ رأسه..
عندئذ هززت حربتي حتى اذا رضيت منها دفعتها فوقعت في ثنّته حتى خرجت من بين رجليه.. ونهض نحوي فغلب على أمره ثم مات..
وأتيته فأخذت حربتي, ثم رجعت إلى المعسكر فقعدت فيه, إذ لم يكن لي فيه حاجة, فقد قتلته لأعتق..]

ولا بأس في أن ندع وحشيا يكمل حديثه:

[فلما قدمت مكة أعتقت, ثم أقمت بها حتى دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فهربت إلى الطائف..
فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم تعيّت عليّ المذاهب. وقلت : الحق بالشام أو اليمن أو سواها..
فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل: ويحك..! إن رسول اله, والله لا يقتل أحد من الناس يدخل دينه..
فخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يرني إلا قائما أمامه أشهد شهادة الحق. فلما رآني قال: أوحشيّ أنت..؟ قلت: نعم يا رسول الله.. قال: فحدّثني كيف قتلت حمزة, فحدّثته.. فلما فرغت من حديثي قال: ويحك.. غيّب عني وجهك.. فكنت أتنكّب طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان, لئلا يراني حتى قبضه الله إليه..
فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم, وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة.. فلما التقى الإنس رأيت مسيلمة الكذاب قائما, في يده السيف, فتهيأت له, وهززت حربتي, حتى اذا رضيته منها دفعتها عليه فوقعت فيه..
فان كنت قد قتلت بحربتي هذه خير الناس وهو حمزة.. فاني لأرجو أن يغفر الله لي إذ قتلت بها شرّ الناس مسيلمة]..

هكذا سقط أسد الله ورسوله, شهيدا مجيدا..!!
وكما كانت حياته مدوّية, كانت موتته مدوّية كذلك..
فلم يكتف أعداؤه بمقتله.. وكيف يكتفون أو يقتنعون, وهم الذين جنّدوا كل أموال قريش وكل رجالها في هذه المعركة التي لم يريدوا بها سوى الرسول وعمّه حمزة..
لقد أمرت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان.. أمرت وحشيا أن يأتيها بكبد حمزة.. واستجاب الحبشي لهذه الرغبة المسعورة.. وعندما عاد بها إلى هند كان يناولها الكبد بيمناه, ويتلقى منها قرطها وقلائدها بيسراه, مكافأة له على انجاز مهمته..

ومضغت هند بنت عتبة الذي صرعه المسلمون ببدر, وزوجة أبي سفيان قائد جيوش الشرك الوثنية,مضغت كبد حمزة, راجية أن تشفي تلك الحماقة حقدها وغلها. ولكن الكبد استعصت على أنيابها, وأعجزتها أن تسيغها, فأخرجتها من فمها, ثم علت صخرة مرتفعة, وراحت تصرخ قائلة:
نحن جزينــــــــــاكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر ولا أخي وعمّـــــــــــــه وبكري
شفيت نفسي وقضيــت نذري أزاح وحشي غليــــــــل صدري

وانتهت المعركة, وامتطى المشركون إبلهم, وساقوا خيلهم قافلين إلى مكة..
ونزل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه إلى أرض المعركة لينظر شهداءها..
وهناك في بطن الوادي. وهو يتفحص وجوه أصحابه الذين باعوا لله أنفسهم, وقدّموها قرابين مبرورة لربهم الكبير. وقف فجأة.. ونظر. فوجم.. وضغط على أسنانه.. وأسبل جفنيه..

فما كان يتصوّر قط أن يهبط الخلق العربي على هذه الوحشية البشعة فيمثل بجثمان ميت على الصورة التي رأى فيها جثمان عمه الشهيد حمزة بن عبد المطلب أسد الله وسيّد الشهداء..
وفتح الرسول عينيه التي تألق بريقهما كومض القدر وقال وعيناه على جثمان عمّه:
" لن أصاب بمثلك أبدا..
وما وقفت موقفا قط أغيظ إليّ من موقفي هذا..".

ثم التفت إلى أصحابه وقال:
" لولا أن تحزن صفيّة _أخت حمزة_ ويكون سنّه من بعدي, لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير.. ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن, لأمثلن بثلاثين رجلا منهم.."
فصاح أصحاب الرسول:
" والله لئن ظفرنا بهم يوما من الدهر, لنمثلن بهم, مثلة لم يمثلها أحد من العرب..!!"

ولكن الله الذي أكرم حمزة بالشهادة, يكرّمه مرة أخرى بأن يجعل من مصرعه فرصة لدرس عظيم يحمي العدالة إلى الأبد, ويجعل الرحمة حتى في العقوبة والقصاص واجبا وفرضا..
وهكذا لم يكد الرسول صلى الله عليه وسلم يفرغ من إلقاء وعيده السالف حتى جاءه الوحي وهو في مكانه لم يبرحه بهذه الآية الكريمة:
(ادع إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة, وجادلهم بالتي هي أحسن, إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله , وهو أعلم بالمهتدين .
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به, ولئن صبرتم لهو خير للصابرين.
واصبر وما صبرك إلا بالله, ولا تحزن عليهم, ولا تك في ضيق مما يمكرون.
إن الله مع الذين اتقوا, والذين هم محسنون..)
وكان نزول هذه الآيات, في هذا الموطن, خير تكريم لحمزة الذي وقع أجره على الله..

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه أعظم الحب, فهو كما ذكرنا من قبل لم يكن عمّه الحبيب فحسب..
بل كان أخاه من الرضاعة..
وتربه في الطفولة..
وصديق العمر كله..
وفي لحظات الوداع هذه, لم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم تحية يودّعه بها خيرا من أن يصلي عليه بعدد الشهداء المعركة جميعا..
وهكذا حمل جثمان حمزة إلى مكان الصلاة على أرض المعركة التي شهدت بلاءه, واحتضنت دماءه, فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه, ثم جيء بشهيد آخر, فصلى عليه الرسول.. ثم رفع وترك حمزة مكانه, وجيء بشهيد ثالث فوضع إلى جوار حمزة وصلى عليهم الرسول..
وهكذا جيء بالشهداء.. شهيد بعد شهيد.. والرسول عليه الصلاة والسلام يصلي على كل واحد منهم وعلى حمزة معه حتى صلى على عمّه يومئذ سبعين صلاة..

وينصرف الرسول من المعركة إلي بيته, فيسمع في طريقه نساء بني عبد الأشهل يبكين شهداءهن, فيقول عليه الصلاة والسلام من فرط حنانه وحبه:
" لكنّ حمزة لا بواكي له"..!!

ويسمعها سعد بن معاذ فيظن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يطيب نفسا اذا بكت النساء عمه, فيسرع إلى نساء بني عبد الأشهل ويأمرهن أن يبكين حمزة فيفعلن… ولا يكاد الرسول يسمع بكاءهن حتى يخرج إليهن, ويقول
" ما إلى هذا قصدت, ارجعن يرحمكن الله, فلا بكاء بعد اليوم"
ولقد ذهب أصحاب رسول الله يتبارون في رثاء حمزة وتمجيد مناقبه العظيمة.
فقال حسان بن ثابت:
دع عنــــــك دارا قد عفا رسمها وابك على حمزة ذي النائل
اللابس الخيــــــــــل اذا أحجمت كالليث في غابته الباســــل
أبيض في الذروة من بني هاشم لم يمر دون الحق بالباطــل
مال شهيدا بين أسيافكــــــــــــم شلت يدا وحشي من قاتـــل

وقال عبد الله بن رواحــة:
بكت عيني وحق لها بكاهــا وما يغني البكاء ولا العويـل
على أسد الاله غداة قالـــوا: أحمزة ذاكم الرجل القتيــــل
أصيب المسلمون به جميعا هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى, لك الأركــان هدّت وأنت الماجد البرّ الوصـــول

وقالت صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخت حمزة:
دعاه اله الحق ذو العرش دعوة إلى جنة يحيا بها وســــــــــــرور
فذاك ما كنا نرجو ونرتــــــــجي لحمزة يوم الحشر خير مصيــــر
فوالله ما أنساك ما هبّت الصبــا بكاء وحزنا محضري وميسري
على أسد الله الذي كان مدرهــا يذود عن الإســــــــــلام كل كفور
أقول وقد أعلى النعي عشيرتي جزى الله خيرا من أخ ونصيـــــر

على أن خير رثاء عطّر ذكراه كانت كلمات رسول الله له حين وقف على جثمانه ساعة رآه بين شهداء المعركة وقال:
" رحمة الله عليك, فانك كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات"..

لقد كان مصاب النبي صلى الله عليه وسلم في عمه العظيم حمزة فادحا. وكان العزاء فيه مهمة صعبة.. بيد أن الأقدار كانت تدّخر لرسول الله أجمل عزاء.
ففي طريقه من أحد إلى داره مرّ عليه الصلاة والسلام بسيّدة من بني دينار استشهد في المعركة أبوها وزوجها, وأخوها..
وحين أبصرت المسلمين عائدين من الغزو, سارعت نحوهم تسألهم عن أنباء المعركة..
فنعوا إليها الزوج..والأب ..والأخ..
وإذا بها تسألهم في لهفة:
" وماذا فعل رسول الله"..؟؟
قالوا:
" خيرا.. هو بحمد الله كما تحبين"..!!
قالت:
" أرونيه, حتى أنظر إليه"..!!
ولبثوا بجوارها حتى اقترب الرسول صلى الله عليه وسلم, فلما رأته أقبلت نحوه تقول:
" كل مصيبة بعدك, أمرها يهون"..!!

أجل..
لقد كان هذا أجمل عزاء وأبقاه..
ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم قد ابتسم لهذا المشهد الفذّ الفريد, فليس في دنيا البذل, والولاء, والفداء لهذا نظير..
سيدة ضعيفة, مسكينة, تفقد في ساعة واحدة أباها وزوجها وأخاها.. ثم يكون ردّها على الناعي لحظة سمعها الخبر الذي يهدّ الجبال:
" وماذا فعل رسول الله"..؟؟!!
لقد كان مشهد أجاد القدر رسمه وتوقيته ليجعل منه للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عزاء أي عزاء.. في أسد الله, وسيّد الشهداء..!!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:33 am

خالد بن الوليد ( لا ينام ولا يترك أحدا ينام )

إن أمره لعجيب..!!
هذا الفاتك بالمسلمين يوم أحد والفاتك بأعداء الإسلام بقية الأيام..!!
ألا فلنأت على قصته من البداية..
ولكن أية بداية..؟؟
إنه هو نفسه, لا يكاد يعرف لحياته بدءا إلا ذلك اليوم الذي صافح فيه الرسول مبايعا..
ولو استطاع لنحّى عمره وحياته, كل ماسبق ذلك اليوم من سنين, وأيام..
فلنبدأ معه إذنمن حيث يحب.. من تلك اللحظة الباهرة التي خشع فيها قلبه لله, وتلقت روحه فيها لمسة من يمين الرحمن, وكلتا يديه يمي, فنفجّرت شوقا إلى دينه, وإلى رسوله, وإلى استشهاد عظيم في سبيل الحق, ينضو عن كاهله أوزار مناصرته الباطل في أيامه الخاليات..

لقد خلا يوما إلى نفسه, وأدار خواطره الرشيدة على الدين الجديد الذي تزداد راياته كل يوما تألقا وارتفاعا, وتمنّى على الله علام الغيوب أن يمدّ إليه من الهدى بسبب.. والتمعت في فؤاده الذكي بشائر اليقين, فقال:
" والله لقد استقام المنسم....
وان الرجل لرسول..
فحتى متى..؟؟
أذهب والله, فأسلم"..
ولنصغ إليه رضي الله عنه وهو يحدثنا عن مسيره المبارك إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام, وعن رحلته من مكة إلى المدينة ليأخذ مكانه في قافلة المؤمنين:
".. وددت لو أجد من أصاحب, فلقيت عثمان بن طلحة, فذكرت له الذي أريد فأسرع الإجابة, وخرجنا جميعا فأدلجنا سحرا.. فلما كنا بالسهل إذا عمرو بن العاص, فقال مرحبا يا قوم,
قلنا: وبك..
قال: أين مسيركم؟ فأخبرناه, وأخبرنا أيضا أنه يريد النبي ليسلم.
فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة أول يوم من صفر سنة ثمان..فلما اطّلعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمت عليه بالنبوّة فردّ على السلام بوجه طلق, فأسلمت وشهدت شهادة الحق..
فقال الرسول: قد كنت أرى لك عقلا رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير..
وبايعت رسول الله وقلت: استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صدّ عن سبيل الله..
فقال: إن الإسلام يجبّ ما كان قبله..
قلت: يا رسول الله على ذلك..
فقال: اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صدّ عن سبيلك..
وتقدّم عمرو بن العاص, وعثمان بن طلحة, فأسلما وبايعا رسول الله"...

أرأيتم قوله للرسول:" استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صدّ عن سبيل الله"..؟؟
إن الذي يضع هذه العبارة بصره, وبصيرته, سيهتدي إلى فهم صحيح لسلك المواقف التي تشبه الألغاز في حياة سيف الله وبطل الإسلام..

وعندما نبلغ تلك المواقف في قصة حياته ستكون هذه العبارة دليلنا لفهمها وتفسيرها-..
أما الآن, فمع خالد الذي أسلم لتوه لنرى فارس قريش وصاحب أعنّة الخيل فيها, لنرى داهية العرب كافة في دنيا الكرّ والفرّ, يعطي لآلهة آبائه وأمجاد قومه ظهره, ويستقبل مع الرسول والمسلمين عالما جديدا, كتب الله له أن ينهض تحت راية محمد وكلمة التوحيد..
مع خالد إذن وقد أسلم, لنرى من أمره عجبا..!!!!

أتذكرون أنباء الثلاثة شهداء أبطال معركة مؤتة..؟؟
لقد كانوا زيد بن حارثة, وجعفر بن أبي طالب, وعبدالله بن رواحة..
لقد كانوا أبطال غزوة مؤتة بأرض الشام.. تلك الغزوة التي حشد لها الروم مائتي ألف مقاتل, والتي أبلى المسلمون فيها بلاء منقطع النظير..
وتذكرون العبارة الجليلة الآسية التي نعى بها الرسول صلى الله عليه وسلم قادة المعركة الثلاثة حين قال:
" أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا.
ثم أخذها جعفر فقاتل بها, حتى قتل شهيدا..
ثم أخذها عبدالله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا".
كان لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بقيّة, ادّخرناها لمكانها على هذه الصفحات..
هذه البقيّة هي:
" ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله, ففتح الله علي يديه".
فمن كان هذا البطل..؟

لقد كان خالد بن الوليد.. الذي سارع إلى غزوة مؤتة جنديا عاديا تحت قيادة القواد الثلاثة الذين جعلهم الرسول على الجيش: زيد, وجعفر وعبدالله ابن رواحة, والذين استشهدوا بنفس الترتيب على ارض المعركة الضارية..
وبعد سقوط آخر القواد شهيدا, سارع إلى اللواء ثابت بن أقوم فحمله بيمينه ورفعه عاليا وسط الجيش المسلم حتى لا تبعثر الفوضى صفوفه..
ولم يكد ثابت يحمل الراية حتى توجه بها مسرعا إلى خالد بن الوليد, قائلا له:
" خذ اللواء يا أبا سليمان"...
ولم يجد خالد من حقّه وهو حديث العهد بالإسلام أن يقود قوما فيهم الأنصار والمهاجرون الذين سبقوه بالإسلام..
أدب وتواضع وعرفان ومزايا هو لها أهل وبها جدير!!
هنالك قال مجيبا ثابت بن أقرم:
" لا آخذ اللواء, أنت أحق به.. لك سن وقد شهدت بدرا"..
وأجابه ثابت:" خذه, فأنت أدرى بالقتال مني, ووالله ما أخذته إلا لك".
ثم نادى في المسلمين: أترضون إمرة خالد..؟
قالوا: نعم..
واعتلى العبقري جواده. ودفع الراية بيمينه إلى الأمام كأنما يقرع أبوابها مغلقة آن لها أن تفتح على طريق طويل لاجب سيقطعه البطل وثبا..
في حياة الرسول وبعد مماته, حتى تبلغ المقادير بعبقريته الخارقة أمرا كان مقدورا...
ولّي خالد إمارة الجيش بعد أن كان مصير المعركة قد تحدد. فضحايا المسلمين كثيرون, وجناهم مهيض.. وجيش الروم في كثرته الساحقة كاسح, ظافر مدمدم..
ولم يكن بوسع أية كفاية حربية أن تغير من المصير شيئا, فتجعل المغلوب غالبا, والغالب مغلوبا..
وكان العمل الوحيد الذي ينتظر عبقريا لكي ينجزه, هو وقف الخسائر في جيش الإسلام, والخروج ببقيته سالما, أي الانسحاب الوقائي الذي يحول دون هلاك بقية القوة المقاتلة على أرض المعركة.
بيد أن انسحابا كهذا كان من الاستحالة بمكان..
ولكن, إذا كان صحيحا أنه لا مستحيل على القلب الشجاع فمن أشجع قلبا من خالد, ومن أروع عبقرية وأنفذ بصيرة..؟؟!

هنالك تقدم سيف الله يرمق أرض القتال الواسعة بعينين كعيني الصقر, ويدير الخطط في بديهته بسرعة الضوء.. ويقسم جيشه, والقتال دائر, إلى مجموعات, ثم يكل إلى كل مجموعة بمهامها.. وراح يستعمل فنّه المعجز ودهاءه البليغ حتى فتح في صفوف الروم ثغرة فسيحة واسعة, خرج منها جيش المسلمين كله سليما معافى. بعد أن نجا بسبب من عبقرية بطل الإسلام من كارثة ماحقة ما كان لها من زوال...!!
وفي هذه المعركة أنعم الرسول على خالد بهذا اللقب العظيم..

وتنكث قريش عهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فيتحرك المسلمون تحت قيادته لفتح مكة..
وعلى الجناح الأيمن من الجيش, يجعل الرسول خالدا أميرا..
ويدخل خالد مكة, واحدا من قادة الجيش المسلم, والأمة المسلمة بعد أن شهدته سهولها وجبالها. قائدا من قوّاد جيش الوثنية والشرك زمنا طويلا..
وتخطر له ذكريات الطفولة, حيث مراتعها الحلوة.. وذكريات الشباب, حيث ملاهيه الصاخبة..
ثم تجيشه ذكريات الأيام الطويلة التي ضاع فيها عمره قربانا خاسرا لأصنام عاجزة كاسدة..

وقبل أن يعضّ الندم فؤاده ينتفض تحت روعة المشهد وجلاله..
مشهد المستضعفين الذين لا تزال جسومهم تحمل آثار التعذيب والهول, يعودون إلى البلد الذي أخرجوا منه بغيا وعدوا, يعودون إليه على صهوات جيادهم الصاهلة, وتحت رايات الإسلام الخافقة.. وقد تحوّل همسهم الذي كانوا يتناجون به في دار الأرقم بالأمس, إلى تكبيرات صادعة رائعة ترجّ مكة رجّا, وتهليلات باهرة ظافرة, يبدو الكون معها, وكأنه كله في عيد...!!
كيف تمّت المعجزة..؟
أي تفسير لهذا الذي حدث؟

لا شيء إلا هذه الآية التي يرددها الزاحفون الظافرون وسط تهليلاتهم وتكبيراتهم حتى ينظر بعضهم إلى بعض فرحين قائلين:
( وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ {6}الروم)..!!

ويرفع خالد رأسه إلى أعلى. ويرمق في إجلال وغبطة وحبور رايات الإسلام تملأ الأفق.. فيقول لنفسه:
أجل انه وعد الله ولا يخلف الله وعده..!!
ثم يحني رأسه شاكرا نعمة ربه الذي هداه للإسلام وجعله في يوم الفتح العظيم هذا, واحدا من الذين يحملون راية الإسلام إلى مكة.. وليس من الذين سيحملهم الفتح على الإسلام..

ويظل خالد إلى جانب رسول الله, واضعا كفاياته المتفوقة في خدمة الدين الذي آمن به من كل يقينه, ونذر له كل حياته.

وبعد أن يلحق الرسول بالرفيق الأعلى, ويحمل أبو بكر مسؤولية الخلافة, وتهبّ أعاصير الردّة غادرة ماكرة, مطوقة الدين الجديد بزئيرها المصمّ وانتفاضها المدمدم.. يضع أبو بكر عينه لأول وهلة على بطل الموقف ورجل الساعة.. أبي سليمان, سيف الله, خالد بن الوليد..!!
وصحيح أن أبا بكر لم يبدأ معارك المرتدين إلا بجيش قاده هو بنفسه, ولكن ذلك لا يمنع أنه ادّخر خالدا ليوم الفصل, وأن خالدا في المعركة الفاصلة التي كانت أخطر معارك الردة جميعا, كان رجلها الفذ وبطلها الملهم..

عندما بدأت جموع المرتدين تتهيأ لإنجاز مؤامرتها الضخمة, صمم الخليفة العظيم أبو بكر على أن يقود جيوش المسلمين بنفسه, ووقف زعماء الصحابة يبذلون محاولات يائسة لصده عن هذا العزم. ولكنه ازداد تصميما.. ولعله أراد بهذا أن يعطي القضية التي دعا الناس لخوض الحرب من أجلها أهميّة وقداسة, لا يؤكدها في رأيه إلا اشتراكه الفعلي في المعارك الضارية التي ستدور رحاها بين قوى الإيمان, وبين جيوش الضلال والردة, وإلا قيادته المباشرة لبعض أو لكل القوات المسلمة..
ولقد كانت انتفاضات الردة بالغة الخطورة, على الرغم من أنها بدأت وكأنها تمرّد عارض..

لقد وجد فيها جميع الموتورين من الإسلام والمتربصين به فرصتهم النادرة, سواء بين قبائل العرب, أم على الحدود, حيث يجثم سلطان الروم والفرس, هذا السلطان الذي بدأ يحسّ خطر الإسلام الأكبر عليه, فراح يدفع الفتنة في طريقه من وراء ستار..!!
ونشبت نيران الفتننة في قبائل: أسد, وغطفان, وعبس, وطيء, وذبيان..
ثم في قبائل: بني غامر, وهوزان, وسليم, وبني تميم..
ولم تكد المناوشات تبدأ حتى استحالت إلى جيوش جرّارة قوامها عشرات الألوف من المقاتلين..
واستجاب للمؤامرة الرهيبة أهل البحرين, وعمان, والمهرة, وواجه الإسلام أخطر محنة, واشتعلت الأرض من حول المسلمين نارا.. ولكن, كان هناك أبو بكر..!!
عبّأ أبو بكر المسلمين وقادهم إلى حيث كانت قبائل بني عبس, وبني مرّة, وذبيان قد خرجوا في جيش لجب..
ودار القتال, وتطاول, ثم كتب للمسلمين نصر مؤزر عظيم..
ولم يكد الجيش المنتصر يستقر بالمدينة. حتى ندبه الخليفة للمعركة التالية..

وكانت أنباء المرتدين وتجمّعاتهم تزداد كل ساعة خطورة .. وخرج أبو بكر على رأس هذا الجيش الثاني, ولكن كبار الصحابة يفرغ صبرهم, ويجمعون على بقاء الخليفة بالمدينة, ويعترض الإمام علي طريق أبا بكر ويأخذ بزمام راحلته التي كان يركبها وهو ماض أمام جيشه الزاحف فيقول له:
" إلى أين يا خليفة رسول الله..؟؟
إني أقول لك ما قاله رسول الله يوم أحد:
لمّ سيفك يا أبا بكر لا تفجعنا بنفسك..."
وأمام إجماع مصمم من المسلمين, رضي الخليفة أن يبقى بالمدينة وقسّم الجيش إلى إحدى عشرة مجموعة.. رسم لكل مجموعة دورها..
وعلى مجموعة ضخمة من تلك المجموعات كان خالد بن الوليد أميرا..
ولما عقد الخليفة لكل أمير لواءه, اتجه صوب خالد وقال يخاطبه:
" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نعم عبدالله. وأخو العشيرة, خالد بن الوليد, سيف من سيوف الله. سلّه الله على الكفار والمنافقين"..

ومضى خالد إلى سبيله ينتقل بجيشه من معركة إلى معركة, ومن نصر إلى نصر حتى كانت المعركة الفاصلة..

فهناك باليمامة كان بنو حنيفة, ومن انحاز إليهم من القبائل, قد جيّشوا أخطر جيوش الردة قاطبة, يقوده مسيلمة الكذاب.
وكانت بعض القوات المسلمة قد جرّبت حظها مع جيوش مسيلمة, فلم تبلغ منه منالا..
وجاء أمر الخليفة إلى قائده المظفر أن سر إلى بني حنيفة.. وسار خالد..
ولم يكد مسيلمة يعلم أن ابن الوليد في الطريق إليه حتى أعاد تنظيم جيشه, وجعل منه خطرا حقيقيا, وخصما رهيبا..

والتقى الجيشان:
وحين تطالع في كتب السيرة والتاريخ, سير تلك المعركة الهائلة, تأخذك رهبة مضنية, إذ تجد نفسك أمام معركة تشبه في ضراوتها وجبروتها معارك حروبنا الحديثة, وإن اختلفت في نوع السلاح وظروف القتال..
ونزل خالد بجيشه على كثيب مشرف على اليمامة, وأقبل مسيلمة في خيلائه وبغيه, صفوف جيشه من الكثرة كأنها لا تؤذن بانتهاء..!!

وسّلم خالد الألوية والرايات لقادة جيشه, والتحم الجيشان ودار القتال الرهيب, وسقط شهداء المسلمين تباعا كزهور حديقة طوّحت بها عاصفة عنيدة..!!
وأبصر خالد رجحان كفة الأعداء, فاعتلى بجواده ربوة قريبة وألقى على المعركة نظرة سريعة, ذكية وعميقة..
ومن فوره أدرك نقاط الضعف في جيشه وأحصاها..
رأى الشعور بالمسؤولية قد وهن تحت وقع المفاجأة التي دهمهم بها جيش مسيلمة, فقرر في نفس اللحظة أن يشدّ في أفئدة المسلمين جميعا إلى أقصاه.. فمضى ينادي إليه فيالق جيشه وأجنحته, وأعاد تنسيق مواقعه على أرض المعركة, ثم صاح بصوته المنتصر:
" امتازوا, لنرى اليوم بلاء كل حيّ".
وامتازوا جميعا..
مضى المهاجرون تحت راياتهم, والأنصار تحت رايتهم " وكل بني أب على رايتهم".
وهكذا صار واضحا تماما, من أين تجيء الهزيمة حين تجيء واشتعلت الأنفس حماسة, اتّقدت مضاء, وامتلأت عزما وروعة..
وخالد بين الحين والحين, يرسل تكبيرة أو تهليلة أو صيحة يلقى بها أمرا, فتتحوّل سيوف جيشه إلى مقادير لا رادّ لأمرها, ولا معوّق لغاياتها..
وفي دقائق معدودة تحوّل اتجاه المعركة وراح جنود مسيلمة يتساقطون بالعشرات, فالمئات فالألوف, كذباب خنقت أنفاس الحياة فيه نفثات مطهر صاعق مبيد..!!

لقد نقل خالد حماسته كالكهرباء إلى جنوده, وحلّت روحه في جيشه جميعا.. وتلك كانت إحدى خصال عبقريّته الباهرة..
وهكذا سارت أخطر معارك الردة وأعنف حروبها, وقتل مسيلمة..
وملأت جثث رجاله وجيشه أرض القتال, وطويت تحت التراب إلى الأبد راية الدّعيّ الكذاب..

وفي المدينة صلى الخليفة لربه الكبير المتعال صلاة الشكر, إذ منحهم هذا النصر, وهذا البطل..
وكان أبو بكر قد أدرك بفطنته وبصيرته ما لقوى الشر الجاثمة وراء حدود بلاده من دور خطير في تهديد مصير الإسلام وأهله.. الفرس في العراق.. والروم في بلاد الشام..
امبرطوريتان خرعتان, تتشبثان بخيوط واهنة من حظوظهما الغاربة وتسومان الناس في العراق وفي الشام سوء العذاب, بل وتسخرهم, وأكثرهم عرب, لقتال المسلمين العرب الذين يحملون راية الدين الجديدة, يضربون بمعاوله قلاع العالم القديم كله, ويجتثون عفنه وفساده..!
هنالك أرسل الخليفة العظيم المبارك توجيهاته إلى خالد أن يمضي بجيشه صوب العراق..
ويمضي البطل إلى العراق, وليت هذه الصفحات كانت تتسع لتتبع مواكب نصره, إذن لرأينا من أمرها عجبا.
لقد استهلّ عمله في العراق بكتب أرسلها إلى جميع ولاة كسرى ونوابه على ألوية العراق ومدائنه..
" بسم الله الرحمن الرحيم
من خالد بن الوليد.. إلى مرازبة فارس..
سلام على من اتبع الهدى
أما بعد, فالحمد لله الذي فضّ خدمكم, وسلب ملككم, ووهّن كيدكم
من صلى صلاتنا, واستقبل قبلتنا, وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم, له ما لنا وعليه ما علينا
إذا جاءكم كتابي فابعثوا إليّ بالرهن واعتقدوا مني الذمّة
وإلا, فوالذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون الحياة"..!!

وجاءته طلائعه التي بثها في كل مكان بأنباء الزّخوف الكثيرة التي يعدها له قوّاد الفرس في العراق, فلم يضيّع وقته, وراح يقذف بجنوده على الباطل ليدمغه.. وطويت له الأرض طيّا عجيبا.
في الأبلّة, إلى السّدير, فالنّجف, إلى الحيرة, فالأنبار, فالكاظمية. مواكب نصر تتبعها مواكب... وفي كل مكان تهلّ به رياحه البشريات ترتفع للإسلام راية يأوي إلى فيئها الضعفاء والمستعبدون.
أجل, الضعفاء والمستعبدون من أهل البلد الذين كان الفرس يستعمرونهم, ويسومونهم سوء العذاب..
وكم كان رائعا من خالد أن بدأ زحفه بأمر أصدره إلى جميع قوّاته:
" لا تتعرّضوا للفلاحين بسوء, دعوهم في شغلهم آمنين, إلا أن يخرج بعضهم لقتالكم, فآنئذ قاتلوا المقاتلين".
وسار بجيشه الظافر كالسكين في الزبد الطريّ حتى وقف على تخوم الشام..
وهناك دوّت أصوات المؤذنين, وتكبيرات الفاتحين.
ترى هل سمع الروم في الشام..؟
وهل تبيّنوا في هذه التكبيرات نعي أيامهم, وعالمهم..؟
أجل لقد سمعوا.. وفزّعوا.. وقرّروا أن يخوضوا في جنون معركة اليأس والضياع..!

كان النصر الذي أحرزه الإسلام على الفرس في العراق بشيرا بنصر مثله على الروم في الشام..
فجنّد الصدّيق أبو بكر جيوشا عديدة, واختار لإمارتها نفرا من القادة المهرة, أبو عبيدة بن الجراح, وعمرو بن العاص, ويزيد بن أبي سفيان, ثم معاوية بن أبي سفيان..
وعندما نمت أخبار هذه الجيوش إلى إمبراطور الروم نصح وزراءه وقوّاده بمصالحة المسلمين, وعدم الدخول معهم في حرب خاسرة..
بيد أن وزراءه وقوّاده أصرّوا على القتال وقالوا:
" والله لنشغلنّ أبا بكر على أن يورد خيله إلى أرضنا"..
وأعدوا للقتال جيشا بلغ قوامه مائتي ألف مقاتل, وأربعين ألفا.
وأرسل قادة المسلمين إلى الخليفة بالصورة الرهيبة للموقف فقال أبو بكر:
" والله لأشفينّ وساوسهم بخالد"..!!!
وتلقى ترياق الوساوس.. وساوس التمرّد والعدوان والشرك, تلقى أمر الخليفة بالزحف إلى الشام, ليكون أميرا على جيوش الإسلام التي سبقته إليها..
وما أسرع ما امتثل خالد وأطلع, فترك على العراق المثنّى بن الحارثة وسار مع قواته التي اختارها حتى وصل مواقع المسلمين بأرض الشام, وأنجز بعبقريته الباهرة تنظيم الجيش المسلم وتنسيق مواقعه في وقت وجيز, وبين يدي المعركة واللقاء, وقف في المقاتلين خطيبا فقال بعد أن حمد ربه وأثنى عليه:
" إن هذا يوم من أيام الله, لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي..
أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم, وتعالوا نتعاور الإمارة, فيكون أحدنا اليوم أميرا, والآخر غدا, والآخر بعد غد, حتى يتأمّر كلكم"...
هذا يوم من أيام الله..
ما أروعها من بداية..!!
لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي..
وهذه أكثر روعة وأوفى ورعا!!

ولم تنقص القائد العظيم الفطنة المفعمة بالإيثار, فعلى الرغممن أن الخليفة وضعه على رأس الجيش بكل أمرائه, فانه لم يشأ أن يكون عونا للشيطان على أنفس أصحابه, فتنازل لهم عن حقه الدائم في الإمارة وجعلها دولة بينهم..
اليوم أمير, وغداً أميرثان.. وبعد غد أمير آخر..وهكذا..
كان جيش الروم بأعداده وبعتاده, شيئا بالغ الرهبة..
لقد أدرك قوّاد الروم أن الزمن في صالح المسلمين, وأن تطاول القتال وتكاثر المعارك يهيئان لهم النصر دائما, من أجل ذلك قرروا أن يحشدوا كل قواهم في معركة واحدة يجهزون خلالها على العرب حيث لا يبقى لهم بعدها وجود, وما من شك أن المسلمين أحسّوا يوم ذاك من الرهبة والخطر ما ملأ نفوسهم المقدامة قلقا وخوفا..
ولكن إيمانهم كان يخفّ لخدمتهم في مثل تلك الظلمات الحالكات, فإذا فجر الأمل والنصر يغمرهم بسناه..!!

ومهما يكن بأس الروم وجيوشهم, فقد قال أبو بكر, وهو بالرجال جدّ خبير:
" خالد لها".!!
وقال:" والله, لأشفينّ وساوسهم بخالد".
فليأت الروم بكل هولهم, فمع المسلمين الترياق..!!
عبأ ابن الوليد جيشه, وقسمه إلى فيالق, ووضع للهجوم والدفاع خطة جديدة تتناسب مع طريقة الروم بعد أن خبر وسائل إخوانهم الفرس في العراق.. ورسم للمعركة كل مقاديرها..
ومن عجب أن المعركة دارت كما رسم خالد وتوقع, خطوة خطوة, وحركة حركة, حتى ليبدو وكأنه لو تنبأ بعدد ضربات السيوف في المعركة, لما أخطأ التقدير والحساب..!!
كل مناورة توقعها من الروم صنعوها..
كل انسحاب تنبأ به فعلوه..
وقبل أن يخوض القتال كان يشغل باله قليلا, احتمال قيام بعض جنود جيشه بالفرار, خاصة أولئك الذين هم حديثو العهد بالإسلام, بعد أن رأى ما ألقاه منظر جيش الروم من رهبة وجزع..
وكان خالد يتمثل عبقرية النصر في شيء واحد, هو الثبات..
وكان يرى أن حركة هروب يقوم بها اثنان أو ثلاثة, يمكن أن تشيع في الجيش من الهلع والتمزق ما لا يقدر عليه جيش العدو بأسره...
من أجل هذا, كان صارما, تجاه الذي يلقي سلاحه ويولي هاربا..
وفي تلك الموقعة بالذات موقعة اليرموك, وبعد أن أخذ جيشه مواقعه, دعا نساء المسلمين, ولأول مرّة سلّمهن السيوف, وأمرهن, بالوقوف وراء صفوف المسلمين من كل جانب وقال لهن:
" من يولّي هاربا فاقتلنه"..
وكانت لفتة بارعة أدت مهمتها على أحسن وجه..!!
وقبيل بدء القتال طلب قائد الروم أن يبرز إليه خالد ليقول له بضع كلمات ..
وبرز إليه خالد, حيث تواجها فوق جواديهما في الفراغ الفاصل بين الجيشين..
وقال ماهان قائد الروم يخاطب خالدا"
" قد علمنا أنه لم يخرجكم من بلادكم إلا الجوع والجهد..
فان شئتم, أعطيت كل واحد منكم عشرة دنانير, وكسوة, وطعاما, وترجعون إلى بلادكم, وفي العام القادم أبعث إليكم بمثلها".!!
وضغط خالد الرجل والبطل على أسنانه, وأدرك ما في كلمات قائد الروم من سوء الأدب..
وقرر أن يردّ عليه بجواب مناسب, فقال له:
" انه لم يخرجنا من بلادنا الجوع كما ذكرت, ولكننا قوم نشرب الدماء, وقد علمت أنه لا دم أشهى وأطيب من دم الروم, فجئنا لذلك"..!!
ولوى البطل زمام جواده عائدا إلى صفوف جيشه. ورفع اللواء عاليا مؤذنا بالقتال..
" الله أكبر"
" هبّي رياح الجنة"..
كان جيشه يندفع كالقذيفة المصبوبة.
ودار قتال ليس لضراوته نظير..
وأقبل الروم في فيالق كالجبال..
وبدا لهم من المسلمين ما لم يكونوا يحتسبون..
ورسم المسلمون صورا تبهر الألباب من فدائيتهم وثباتهم..
فهذا أحدهم يقترب من أبي عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه والقتال دائر ويقول:
" إني قد عزمت على الشهادة, فهل لك من حاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغها له حين ألقاه"؟؟
فيجيب أبو عبيدة:
" نعم قل له: يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا".
ويندفع الرجل كالسهم المقذوف.. يندفع وسط الهول مشتاقا إلى مصرعه ومضجعه.. يضرب بسيفه, ويضرب بآلاف السيوف حتى يرتفع شهيدا..!!
وهذا عكرمة بن أبي جهل..
أجل ابن أبي جهل..
ينادي في المسلمين حين ثقلت وطأة الروم عليهم قائلا:
" لطالما قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهدني الله الإسلام, أفأفرّ من أعداء الله اليوم"؟؟
ثم يصيح:" من يبايع على الموت"..
فيبايعه على الموت كوكبة من المسلمين, ثم ينطلقون معا إلى قلب المعركة لا باحثين عن النصر, بل عن الشهادة.. ويتقبّل الله بيعتهم وبيعهم,
فيستشهدون..!!
وهؤلاء آخرون أصيبوا بجراح أليمة, وجيء لهم بماء يبللون به أفواههم, فلما قدم الماء إلى أولهم, أشار إلى الساقي أن أعط أخي الذي بجواري فجرحه أخطر, وظمؤه أشد.. فلما قدّم إليه الماء , أشار بدوره لجاره. فلا انتقل إليه أشار بدوره لجاره..
وهكذا, حتى.. جادت أرواح أكثرهم ظامئة.. ولكن أنضر ما تكون تفانيا وإيثارا..!!
أجل..
لقد كانت معركة اليرموك مجالا لفدائية يعز نظيرها.
ومن بين لوحات الفداء الباهرة التي رسمتها عزمات مقدرة, تلك اللوحة الفذة.. لوحة تحمل صورة خالد بن الوليد على رأس مائة لا غير من جنده, ينقضّون على ميسرة الروم وعددها أربعون ألف جندي, وخالد يصيح في المائة الذين معه:
" والذي نفسي بيده ما بقي مع الروم من الصبر والجلد إلا ما رأيتم.
واني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم".
مائة يخوضون في أربعين ألف.. ثم ينتصرون..!!
ولكن أي عجب؟؟
أليس ملأ قلوبهم إيمان بالله العلي الكبير..؟؟
وإيمان برسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم؟؟
وإيمان بقضية هي أكثر قضايا الحياة برا, وهدى ونبلا؟

وأليس خليفتهم الصديق رضي الله عنه, هذا الذي ترتفع راياته فوق الدنيا, بينما هو في المدينة’ العاصمة الجديدة للعالم الجديد, يحلب بيده شياه الأيامى, ويعجن بيده خبز اليتامى..؟؟
وأليس قائدهم خالد بن الوليد ترياق وساوس التجبر, والصلف, والبغي, والعدوان, وسيف الله المسلول على قوى التخلّف والتعفّن والشرك؟؟
أليس ذلك, كذلك..؟
إذن, هبي رياح النصر...
هبّي قويّة عزيزة, ظافرة, قاهرة...

لقد بهرت عبقرية خالد قوّاد الروم وأمراء جيشهم, مما حمل أحدهم, واسمه جرجح على أن يدعو خالدا للبروز إليه في إحدى فترات الراحة بين القتال.
وحين يلتقيان, يوجه القائد الرومي حديثه إلى خالد قائلا:
" يا خالد, أصدقني ولا تكذبني فان الحرّ لا يكذب..
هل أنزل على نبيّكم سيفا من السماء فأعطاك إيّاه, فلا تسلّه على أحد إلا هزمته"؟؟
قال خالد: لا..
قال الرجل:
فبم سميّت بسيف الله"؟
قال خالد: إن الله بعث فينا نبيه, فمنا من صدّقه ومنا من كذّب. وكنت فيمن كذّب حتى أخذ الله قلوبنا إلى الإسلام, وهدانا برسوله فبايعناه..
فدعا لي الرسول, وقال لي: أنت سيف من سيوف الله, فهكذا سميّت.. سيف الله".
قال القائد الرومي: وإلام تدعون..؟
قال خالد:
إلى توحيد الله, وإلى الإسلام.
قال:
هل لمن يدخل في الإسلام اليوم مثل ما لكم من المثوبة والأجر؟
قال خالد: نعم وأفضل..
قال الرجل: كيف وقد سبقتموه..؟
قال خالد:
لقد عشنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, ورأينا آياته ومعجزاته وحق لمن رأى ما رأينا, وسمع ما سمعنا أن يسلم في يسر..
أما أنتم يا من لم تروه ولم تسمعوه, ثم آمنتم بالغيب, فان أجركم أجزل وأكبر ، صدقتم الله سرائركم ونواياكم.
وصاح القائد الرومي, وقد دفع جواده إلى ناحية خالد, ووقف بجواره:
علمني الإسلام يا خالد"".!!!
وأسلم وصلى ركعتين لله عز وجل.. لم يصلّ سواهما, فقد استأنف الجيشان القتال.. وقاتل جرجه الروماني في صفوف المسلمين مستميتا في طلب الشهادة حتى نالها وظفر بها..!!

وبعد, فها نحن أولاء نواجه العظمة الإنسانية في مشهد من أبهى مشاهدها.. إذ كان خالد يقود جيوش المسلمين في هذه المعركة الضارية, ويستلّ النصر من بين أنياب الروم استلالا فذا, بقدر ما هو مضن ورهيب, وإذا به يفاجأ بالبريد القادم من المدينة من الخليقة الجديد, أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.. وفيه تحيّة الفاروق للجيش المسلم, نعيه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه, وتولية أبي عبيدة بن الجرّاح مكانه..
قرأ خالد الكتاب, وهمهم بابتهالات الترحّم على أبي بكر والتوفيق لعمر..
ثم طلب من حامل الكتاب ألا يبوح لأحد بما فيه وألزمه مكانه أمره ألا يغادره, وألا يتصل بأحد.
استأنف قيادته للمعركة مخفيا موت أبي بكر, وأوامر عمر حتى يتحقق النصر الذي بات وشيكا وقريبا..
ودقّت ساعة الظفر, واندحر الروم..

وتقدّم البطل من أبي عبيدة مؤديا إليه تحيّة الجندي لقائده... وظنها أبو عبيدة في أول الأمر دعابة من دعابات القائد الذي حقق نصرا لم يكن في الحسبان.. بيد أنه ما فتئ أن رآها حقيقة وجدّا, فقبّل خالد بين عينيه, وراح يطري عظمة نفسه وسجاياه..

وثمّت رواية تاريخية أخرى, تقول: إن الكتاب أرسل من أمير المؤمنين عمر إلى أبي عبيدة, وكتم أبو عبيدة النبأ عن خالد حتى انتهت المعركة..
وسواء كان الأمر هذا أو ذاك, فان مسلك خالد في كلتا الحالتين هو الذي يعنينا.. ولقد كان مسلكا بالغ الروعة والعظمة والجلال..
ولا أعرف في حياة خالد كلها موقفا ينبئ بإخلاصه العميق وصدقه الوثيق, مثل هذا الموقف...

فسواء عليه أن يكون أميرا, أو جنديا..
إن الإمارة كالجندية, كلاهما سبب يؤدي به واجبه نحو الله الذي آمن به, ونحو الرسول الذي بايعه, ونحو الدين الذي اعتنقه وسار تحت رايته..
وجهده المبذول وهو أمير مطاع.. كجهده المبذول وهو جندي مطيع..!
ولقد هيأ له هذا الانتصار العظيم على النفس, كما هيأه لغيره, طراز الخلفاء الذين كانوا على راس الأمة المسلمة والدولة المسلمة يوم ذاك..
أبو بكر وعمر..
اسمان لا يكاد يتحرّك بهما لسان, حتى يخطر على البال كل معجز من فضائل الإنسان, وعظمة الإنسان..
وعلى الرغم من الودّ الذي كان مفقودا أحيانا بين عمر وخالد, فان نزاهة عمر وعدله,وورعه وعظمته الخارقة, لم تكن قط موضع تساؤل لدى خالد..
ومن ثم لم تكن قراراته موضع شك, لأن الضمير الذي يمليها, قد بلغ من الورع, ومن الاستقامة, ومن الإخلاص والصدق أقصى ما يبلغه ضمير منزه ورشيد..

لم يكن أمير المؤمنين عمر يأخذ على خالد من سوء, ولكنه كان يأخذ على سيفه التسرّع, والحدّة..
ولقد عبّر عن هذا حين اقترح على أبي بكر عزله إثر مقتل مالك بن نويرة, فقال:
" إن في سيف خالد رهقا"
أي خفة وحدّة وتسرّع..
فأجابه الصدّيق قائلا:
" ما كنت لأشيم سيف سلّه الله على الكافرين".
لم يقل عمر إن في خالد رهقا.. بل جعل الرهق لسيفه لا لشخصه, وهي كلمات لا تنمّ عن أدب أمير المؤمنين فحسب, بل وعن تقديره لخالد أيضا..
وخالد رجل حرب من المهد إلى اللحد..
فبيئته, ونشأته, وتربيته وحياه كلها, قبل الإسلام وبعده كانت كلها وعاء لفارس, مخاطر, داهية..

ثم إن إلحاح ماضيه قبل السلام, والحروب التي خاضها ضد الرسول وأصحابه, والضربات التي أسقط بها سيفه أيام الشرك رؤوسا مؤمنة, وجباها عابدة, كل هذا كان له على ضميره ثقل مبهظ, جعل سيفه توّاقا إلى أن يطوّح من دعامات الشرك أضعاف ما طوّح من حملة الإسلام..
وإنكم لتذكرون العبارة التي أوردناها أوّل هذا الحديث والتي جاءت في سياق حديثه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال له:
" يا رسول الله..
استغفر لي كل ما أوضعت فيه عن صدّ عن سبيل الله".
وعلى الرغم من إنباء الرسول صلى الله عليه وسلم إياه, بأن الإسلام يجبّ ما كان قبله, فانه يظل يتوسل على الظفر بعهد من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستغفر الله له فيما صنعت من قبل يداه..
والسيف حين يكون في يد فارس خارق كخالد بن الوليد, ثم يحرّك اليد القابضة عليه ضمير متوهج بحرارة التطهر والتعويض, ومفعم بولاء مطلق لدين تحيط به المؤامرات والعداوات, فان من الصعب على هذا السيف أن يتخلى عن مبادئه الصارمة, وحدّته الخاطفة..

وهكذا رأينا سيف خالد يسبب لصاحبه المتاعب.
فحين أرسله النبي عليه الصلاة والسلام بعد الفتح إلى بعض قبائل العرب القريبة من مكة, وقال له:
" إني أبعثك داعيا لا مقاتلا".
غلبه سيفه على أمره ودفعه إلى دور المقاتل.. متخليا عن دور الداعي الذي أوصاه به الرسول مما جعله عليه السلام ينتفض جزعا وألما حين بلغه صنيع خالد.. وقام مستقبلا القبلة, رافعا يديه, ومعتذرا إلى الله بقوله:
" اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد".
ثم أرسل عليّا فودى لهم دماءهم وأموالهم.
وقيل إن خالدا اعتذر عن نفسه بأن عبدالله بن حذافة السهمي قال له:
إن رسول الله قد أمرك بقتالهم لامتناعهم عن الإسلام..
كان خالد يحمل طاقة غير عادية.. وكان يستبد به توق عارم إلى هدم عالمه القديم كله..
ولو أننا نبصره وهو يهدم صنم العزّى الذي أرسله النبي لهدمه.
لو أننا نبصره وهو يدمدم بمعوله على هذه البناية الحجرية, لأبصرنا رجلا يبدو كأنه يقاتل جيشا بأسره, يطوّح رؤوس أفرداه ويتبر بالمنايا صفوفه.
فهو يضرب بيمينه, وبشماله, وبقدمه, ويصيح في الشظايا المتناثرة, والتراب المتساقط:
" يا عزّى كفرانك, لا سبحانك
إني رأيت الله قد أهانك"..!!
ثم يحرقها ويشعل النيران في ترابها..!
كانت كل مظاهر الشرك وبقاياه في نظر خالد كالعزّى لا مكان لها في العالم الجديد الذي وقف خالد تحت أعلامه..
ولا يعرف خالد أداة لتصفيتها إلا سيفه..
وإلا.." كفرانك لا سبحانك..
إني رأيت الله قد أهانك"..!!

على أننا إذ نتمنى مع أمير المؤمنين عمر, لوخلا سيف خالد من هذا الرهق, فإننا سنظل نردد مع أمير المؤمنين قوله:
" عجزت النساء أن يلدن مثل خالد"..!!
لقد بكاه عمر يوم مات بكاء كثيرا, وعلم الإنس فيما بعد أنه لم يكن يبكي فقده وحسب, بل ويبكي فرصة أضاعها الموت عن عمر إذ كان يعتزم رد الإمارة إلى خالد بعد أن زال افتتان الناس به. ومحصت أسباب عزله, لولا أن تداركه الموت وسارع خالد إلى لقاء ربه.
نعم سارع البطل العظيم إلى مثواه في الجنة..
أما آن له أن يستريح..؟؟ هو الذي لم تشهد الأرض عدوّا للراحة مثله..؟؟
أما آن لجسده المجهد أن ينام قليلا..؟؟ هو الذي كان يصفه أصحابه وأعداؤه بأنه:
" الرجل الذي لا ينام ولا يترك أحدا ينام"..؟؟
أما هو, فلو خيّر لاختار أن يمدّ الله له في عمره مزيدا من الوقت يواصل فيه هدم البقايا المتعفنة القديمة, ويتابع عمله وجهاده في سبيل الله والإسلام..
إن روح هذا الرجل وريحانه ليوجدان دائما وأبدا, حيث تصهل الخيل, وتلتمع الأسنّة, وتخفق رايات التوحيد فوق الجيوش المسلمة..
وأنه ليقول:
" ما ليلة يهدى إليّ فيها عروس, أو أبشّر فيها بوليد, بأحبّ إليّ من ليلة شديدة الجليد, في سريّة من المهاجرين, أصبح بهم المشركين"..
من أجل ذلك, كانت مأساة حياته أن يموت في فراشه, وهو الذي قضى حياته كلها فوق ظهر جواده, وتحت بريق سيفه...

هو الذي غزا مع الرسول صلى الله عليه وسلم, وقهر أصحاب الردّة, وسوّى بالتراب عرش فارس والروم, وقطع الأرض وثبا, في العراق خطوة خطوة, حتى فتحها للإسلام, وفي بلاد الشام خطوة خطوة حتى فتحها كلها للإسلام...
أميرا يحملشظف الجندي وتواضعه.. وجنديا يحمل مسؤولية الأمير وقدوته..
كانت مأساة حياة البطل أن يموت البطل على فراشه..!!
هنالك قال ودموعه تنثال من عينيه:
" لقد شهدت كذا, وكذا زحفا, وما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح, أو رمية سهم..
ثم هأنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير, فلا نامت أعين الجبناء"..!
كلمات لا يجيد النطق بها في مثل هذا الموطن, إلا مثل هذا الرجل, وحين كان يستقبل لحظات الرحيل, شرع يملي وصيّته..
أتجرون إلى من أوصى..؟
إلى عمر بن الخطاب ذاته..!!
أتدرون ما تركته..؟
فرسه وسلاحه..!!
ثم ماذا؟؟
لا شيء قط , مما يقتني الناس ويمتلكون..!!
ذلك أنه لم يكن يستحوذ عليه وهو حيّ, سوى اقتناء النصر وامتلاك الظفر على أعداء الحق.
وما كان في متاع الدنيا جميعه ما يستحوذ على حرصه..
شيء واحد, كان يحرص عليه في شغف واستماتة.. تلك هي قلنسوته"..
سقطت منه يوم اليرموك. فأضنى نفسه والناس في البحث عنها.. فلما عوتب في ذلك قال:
" إن فيها بعضا من شعر ناصية رسول الله واني أتفاءل بها, وأستنصر".

وأخيرا, خرج جثمان البطل من داره محمولا على أعناق أصحابه ورمقته أم البطل الراحل بعينين اختلط فيهما بريق العزم بغاشية الحزن فقالت تودّعه:
أنت خير من ألف ألف من القو م إذا ما كبــت وجوه الرجال
أشجـــاع..؟ فأنت أشجع من لي ث غضنفر يذود عن أشبال
أجواد..؟ فأنــــت أجود من سي ل غامر يسيــل بين الجبال

وسمعها عمر فازداد قلبه خفقا.. ودمعه دفقا.. وقال:
" صدقت..
والله إن كان لكذلك".
وثوى البطل في مرقده..
ووقف أصحابه في خشوع, والدنيا من حولهم هاجعة, خاشعة, صامتة..
لم يقطع الصمت المهيب سوى صهيل فرس جاءت تركض بعد أن خلعت رسنها, وقطعت شوارع المدينة وثبا وراء جثمان صاحبها, يقودها عبيره وأريجه..

وإذ بلغت الجمع الصامت والقبر الرطب لوت برأسها كالراية, وصهيلها يصدح.. تماما مثلما كانت تصنع والبطل فوق ظهرها, يهدّ عروش فارس والروم, ويشفي وساوس الوثنية والبغي, ويزيح من طريق الإسلام كل قوى التقهقر والشرك...
وراحت وعيناها على القبر لا تزيغان تعلو برأسها وتهبط, ملوّحة لسيدها وبطلها مؤدية له تحية الوداع..!!
ثم وقفت ساكنة ورأسها مرتفع.. وجبهتها عالية.. ولكن من مآقيها تسيل دموع غزار وكبار..!!
لقد وقفها خالد مع سلاحه في سبيل الله..
ولكن هل سيقدر فارس على أن يمتطي صهوتها بعد خالد..؟؟
وهل ستذلل ظهرها لأحد سواه..؟؟

إيه يا بطل كل نصر..
ويا فجر كل ليلة..
لقد كنت تعلو بروح جيشك على أهوال الزحف بقولك لجندك:
" عند الصباح يحمد القوم السرى"..

حتى ذهبت عنك مثلا..
وهأنذا, قد أتممت مسراك..
فلصباحك الحمد أبا سليمان..!!
ولذكراك المجد, والعطر, والخلد, يا خالد..!!
ودعنا.. نردد مع أمير المؤمنين عمر كلماته العذاب الرطاب التي ودّعك بها ورثاك:
" رحم الله أبا سليمان
ما عند الله خير مما كان فيه
ولقد عاش حميدا
ومات سعيدا


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:34 am

خبّاب بن الأرتّ ( أستاذ فنّ الفداء )

خرج نفر من القرشيين, يعدّون الخطى, ميممين شطر دار خبّاب ليتسلموا منه سيوفهم التي تعاقدوا معه على صنعها..
وقد كان خباب سيّافا, يصنع السيوف ويبيعها لأهل مكة, ويرسل بها إلى الأسواق..
وعلى غير عادة خبّاب الذي لا يكاد يفارق بيته وعمله, لم يجده ذلك النفر من قريش فجلسوا ينتظرونه..
وبعد حين طويل جاء خباب على وجهه علامة استفهام مضيئة, وفي عينيه دموع مغتبطة.. وحيّا ضيوفه وجلس..
وسألوه عجلين: هل أتممت صنع السيوف يا خباب؟؟
وجفت دموع خباب, وحل مكانها في عينيه سرور متألق, وقال وكأنه يناجي نفسه: إن أمره لعجب..
وعاد القوم يسألونه: أي أمر يا رجل..؟؟ نسألك عن سيوفنا, هل أتممت صنعها..؟؟
ويستوعبهم خبّاب بنظراته الشاردة الحالمة ويقول:
هل رأيتموه..؟ هل سمعتم كلامه..؟
وينظر بعضهم لبعض في دهشة وعجب..
ويعود أحدهم فيسأله في خبث:
هل رأيته أنت يا خبّاب..؟؟
ويسخر خبّاب من مكر صاحبه, فيردّ عليه السؤال قائلا:
من تعني..؟
ويجيب الرجل في غيظ: أعني الذي تعنيه..؟
ويجيب خبّاب بعد إذ أراهم أنه أبعد منالا من أن يستدرج, وأنه اعترف بإيمانه الآن أمامهم, فليس لأنهم خدعوه عن نفسه, واستدرجوا لسانه, بل لأنه رأى الحق وعانقه, وقرر أن يصدع به ويجهر..

يجيبهم قائلا, وهو هائم في نشوته وغبطة روحه:
أجل... رأيته, وسمعته.. رأيت الحق يتفجر من جوانبه, والنور يتلألأ بين ثناياه..!!
وبدأ عملاؤه القرشيون يفهمون, فصاح به أحدهم:
من هذا الذي تتحدث عنه يا عبد أمّ أنمار..؟؟
وأجاب خبّاب في هدوء القديسين:
ومن سواه, يا أخا العرب.. من سواه في قومك, من يتفجر من جوانبه الحق, ويخرج النور بين ثناياه..؟!
وصاح آخر وهبّ مذعورا:
أراك تعني محمدا..
وهز خبّاب رأسه المفعم بالغبطة, وقال:
نعم انه هو رسول الله إلينا, ليخرجنا من الظلمات إلى النور..
ولا يدري خبّاب ماذا قال بعد هذه الكلمات, ولا ماذا قيل له..
كل ما يذكره أنه أفاق من غيبوبته بعد ساعات طويلة ليرى زوّاره قد انفضوا.. وجسمه وعظامه تعاني رضوضاَ وآلاما, ودمه النازف يضمّخ ثوبه وجسده..!!

وحدّقت عيناه الواسعتان فيما حوله.. وكان المكان أضيق من أن يتسع لنظراتهما النافذة, فتحمّل على آلامه, ونهض شطر الفضاء وأمام باب داره وقف متوكئا على جدارها, وانطلقت عيناه الذكيتان في رحلة طويلة تحدّقان في الأفق, وتدوران ذات اليمين وذات الشمال..إنهما لا تقفان عند الأبعاد المألوفة للناس.. إنهما تبحثان عن البعد المفقود...أجل تبحثان عن البعد المفقود في حياته, وفي حياة الناس الذين معه في مكة, والناس في كل مكان وزمان..
ترى هل يكون الحديث الذي سمعه من محمد عليه الصلاة والسلام اليوم, هو النور الذي يهدي إلى ذلك البعد المفقود في حياة البشر كافة..؟؟
واستغرق خبّاب في تأمّلات سامية, وتفكير عميق.. ثم عاد إلى داخل داره.. عاد يضمّد جراح جسده, ويهيئه لاستقبال تعذيب جديد,
وآلام جديدة..!!

ومن ذلك اليوم أخذ خبّاب مكانه العالي بين المعذبين والمضطهدين..
أخذ مكانه العالي بين الذين وقفوا برغم فقرهم, وضعفهم يواجهون كبرياء قريش وعنفها وجنونها..
أخذ مكانه العالي بين الذين غرسوا في قلوبهم سارية الراية التي أخذت تخفق في الأفق الرحيب ناعية عصر الوثنية, والقيصرية.. مبشرة بأيام المستضعفين والكادحين, الذين سيقفون تحت ظل هذه الراية سواسية مع أولئك الذين استغلوهم من قبل, وأذاقوهم الحرمان والعذاب..
وفي استبسال عظيم, حمل خبّاب تبعاته كرائد..
يقول الشعبي:
" لقد صبر خبّاب, ولم تلن له أيدي الكفار قناة, فجعلوا يلصقون ظهره العاري بالرصف حتى ذهب لحمه"..!!
أجل كان حظ خبّاب من العذاب كبيرا, ولكن مقاومته وصبره كانا أكبر من العذاب..
لقد حوّل كفار قريش جميع الحديد الذي كان بمنزل خبّاب والذي كان يصنع منه السيوف.. حولوه كله إلى قيود وسلاسل, كان يحمى عليها في النار حتى تستعر وتتوهج, ثم يطوّق بها جسده ويداه وقدماه..
ولقد ذهب يوما مع بعض رفاقه المضطهدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, لا جزعين من التضحية, بل راجين العافية, فقالوا:" يا رسول الله.. ألا تستنصر لنا..؟؟" أي تسأل الله لنا النصر والعافية...

ولندع خبّابا يروي لنا النبأ بكلماته:
" شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببرد له في ظل الكعبة, فقلنا: يا رسول الله, ألا تستنصر لنا..؟؟
فجلس صلى الله عليه وسلم, وقد احمرّ وجهه وقال:
قد كان من قبلكم يؤخذ منهم الرجل, فيحفر له في الأرض, ثم يجاء بمنشار, فيجعل فوق رأسه, ما يصرفه ذلك عن دينه..!!
وليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى الله عز وجل, والذئب على غنمه, ولكنكم تعجلون"..!!

سمع خبّاب ورفاقه هذه الكلمات, فازداد إيمانهم وإصرارهم وقرروا أن يري كل منهم ربّه ورسوله
ما يحبّان من تصميم وصبر, وتضحية.
وخاض خبّاب معركة الهول صابرا, صامدا, محتسبا.. واستنجد القرشيون أم أنمار سيدة خبّاب التي كان عبدا لها قبل أن تعتقه, فأقبلت واشتركت في حملة تعذيبه..
وكانت تأخذ الحديد المحمى الملتهب, وتضعه فوق رأسه ونافوخه, وخبّاب يتلوى من الألم, لكنه يكظم أنفاسه, حتى لا تخرج منه زفرة ترضي غرور جلاديه..!!

ومرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما, والحديد المحمّى فوق رأسه يلهبه ويشويه, فطار قلبه حنانا وأسى, ولكن ماذا يملك عليه الصلاة والسلام يومها لخبّاب..؟؟
لا شيء إلا أن يثبته ويدعو له..
هنالك رفع الرسول صلى الله عليه وسلم كفيه المبسوطتين إلى السماء, وقال:
" اللهم انصر خبّابا"..
ويشاء الله ألا تمضي سوى أيام قليلة حتى ينزل بأم أنمار قصاص عاجل, كأنما جعله القدر نذيرا لها ولغيرها من الجلادين, ذلك أنها أصيبت بسعار عصيب وغريب جعلها كما يقول المؤرخون تعوي مثل الكلاب..!!
وقيل لها يومئذ لا علاج سوى أن يكوى رأسها بالنار..!!
وهكذا شهد رأسها العنيد سطوة الحديد المحمّى يصبّحه ويمسّيه..!!

كانت قريش تقاوم الإيمان بالعذاب.. وكان المؤمنون يقاومون العذاب بالتضحية.. وكان خبّاب واحدا من أولئك الذين اصطفتهم المقادير لتجعل منهم أساتذة في فن التضحية والفداء..
ومضى خبّاب ينفق وقته وحياته في خدمة الدين الذي خفقت أعلامه..
ولم يكتف رضي الله عنه في أيام الدعوة الأولى بالعبادة والصلاة, بل استثمر قدرته على التعليم, فكان يغشى بيوت بعض إخوانه من المؤمنين الذين يكتمون إسلامهم خوفا من بطش قريش, فيقرأ معهم القرآن ويعلمهم إياه..

ولقد نبغ في دراسة القرآن وهو يتنزل آية آية.. وسورة, سورة حتى إن عبدالله بن مسعود, وهو الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من أراد أن يقرأ القرآن غصّا كما أنزل, فليقراه بقراءة ابن أم عبد"..
نقول:حتى عبد الله بن مسعود كان يعتبر خبّابا مرجعا فيما يتصل بالقرآن حفظا ودراسة..

وهو الذي كان يدرّس القرآن لـفاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندهم فاجأهم عمر بن الخطاب متقلدا سيفه الذي خرج به ليصفي حسابه مع الإسلام ورسوله, لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة التي كان يعلّم منها خبّاب, حتى صاح صيحته المباركة:
" دلوني على محمد"...!!

وسمع خبّاب كلمات عمر هذه, فخرج من مخبئه الذي كان قد توارى فيه وصاح:
" يا عمر..
والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه صلى الله عليه وسلم, فاني سمعته بالأمس يقول: اللهم أعز الإسلام بأحبّ الرجلين إليك.. أبي الحكم بن هشام, وعمربن الخطاب"..
وسأله عمر من فوره: وأين أجد الرسول الآن يا خبّاب:
" عند الصفا, في دار الأرقم بن أبي الأرقم"..
ومضى عمر إلى حظوظه الوافية, ومصيره العظيم..!!

شهد خبّاب بن الأرت جميع المشهد والغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم, وعاش عمره كله حفيظا على إيمانه ويقينه....
وعندما فاض بيت مال لمسلمين بالمال أيام عمر وعثمان, رضي الله عنهما, كان خبّاب صاحب راتب كبير بوصفه من المهاجرين لسابقين إلى الإسلام..
وقد أتاح هذا الدخل الوفير لخبّاب أن يبتني له دارا بالكوفة, وكان يضع أمواله في مكان ما من الدار يعرفه أصحابه وروّاده.. وكل من وقعت عليه حاجة, يذهب فيأخذ من المال حاجته..
ومع هذا فقد كان خبّاب لا يرقأ له جفن, ولا تجف له دمعة كلما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه الذين بذلوا حياهم لله, ثم ظفروا بلقائه قبل أن تفتح الدنيا على المسلمين, وتكثر في أيديهم الأموال.
اسمعوه وهو يتحدث إلى عوّاده الذين ذهبوا يعودونه وهو رضي الله عنه في مرض موته.
قالوا له:
أبشر يا أبا عبدالله, فانك ملاق إخوانك غدا..
فأجابهم وهو يبكي:
" أما انه ليس بي جزع .. ولكنكم ذكّرتموني أقواما, وإخوانا, مضوا بأجورهم كلها لم ينالوا من الدنيا شيئا..
وإنا بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما لم نجد له موضعا إلا التراب"..
وأشار إلى داره المتواضعة التي بناها.
ثم أشار مرة أخرى إلى المكان الذي فيه أمواله وقال:
" والله ما شددت عليها من خيط, ولا منعتها من سائل"..!
ثم التفت إلى كنفه الذي كان قد أعدّ له, وكان يراه ترفا وإسرافا وقال ودموعه تسيل:
" أنظروا هذا كفني..
لكنّ حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوجد له كفن يوم استشهد إلا بردة ملحاء.... إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه, وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه"..!!

ومات خبّاب في السنة السابعة والثلاثين للهجرة..
مات أستاذ صناعة السيوف في الجاهلية..
وأستاذ صناعة التضحية والفداء في الإسلام..!!

مات الرجل الذي كان أحد الجماعة الذين نزل القرآن يدافع عنهم, ويحييهم, عندما طلب بعض السادة من قريش أن يجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما, وللفقراء من أمثال :خبّاب, وصهيب, وبلال يوما آخر.
فإذا القرآن العظيم يختص رجال الله هؤلاء في تمجيد لهم وتكريم, وتهل آياته قائلة للرسول الكريم:
( وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ {52}الأنعام)..

وهكذا, لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يراهم بعد نزول الآيات حتى يبالغ في إكرامهم فيفرش لهم رداءه, ويربّت على أكتافهم, ويقول لهم:
" أهلا بمن أوصاني بهم ربي"..
أجل.. مات واحد من الأبناء البررة لأيام الوحي, وجيل التضحية...

ولعل خير ما نودّعه به, كلمات الإمام علي كرّم الله وجهه حين كان عائدا من معركة صفين, فوقعت عيناه على قبر غضّ رطيب, فسأل: قبر من هذا..؟
فأجابوه: انه قبر خبّاب..
فتملاه خاشعا آسيا, وقال:
رحم الله خبّابا..
لقد أسلم راغبا.
وهاجر طائعا..
وعاش مجاهدا..


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:34 am

خبيب بن عديّ ( بطل.. فوق الصليب..!! )
والآن..

أفسحوا الطريق لهذا البطل يا رجال..
وتعالوا من كل صوب ومن كل مكان..
تعالوا, خفاقا وثقالا..
تعالوا مسرعين, وخاشعين..
وأقبلوا, لتلقنوا في الفداء درسا ليس له نظير..!!
تقولون: أوكل هذا الذي قصصت علينا من قبل لم تكن دروسا في الفداء ليس لها نظير..؟؟

أجل كانت دروسا..
وكانت في روعتها تجلّ عن المثيل وعن النظير..
ولكنكم الآن أمام أستاذ جديد في فن التضحية..
أستاذ لوفاتكم مشهده, فقد فاتكم خير كثير, جدّ كثير..
إلينا يا أصحاب العقائد في كل أمة وبلد..
إلينا يا عشاق السموّ من كل عصر وأمد..
وأنتم أيضا يا من أثقلكم الغرور, وظننتم بالأديان والإيمان ظنّ السّوء..
تعالوا بغروركم..!
تعالوا وانظروا أية عزة, وأية منعة, وأي ثبات, وأيّ مضاء.. وأي فداء, وأي ولاء..
وبكلمة واحدة, أية عظمة خارقة وباهرة يفيئها الإيمان بالحق على ذويه المخلصين..!!
أترون هذا الجثمان المصلوب..؟؟
انه موضوع درسنا اليوم, يا كلّ بني الإنسان...!
هذا الجثمان المصلوب أمامكم هو الموضوع, وهو الدرس, وهو الأستاذ..
اسمه خبيب بن عديّ.
احفظوا هذا الاسم الجليل جيّدا.
واحفظوه وانشدوه, فانه شرف لكل إنسان.. من كل دين, ومن كل مذهب, ومن كل جنس, وفي كل زمان..!!

انه من أوس المدينة وأنصارها.
تردد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ هاجر إليهم, وآمن بالله رب العالمين.
كان عذب الروح, شفاف النفس, وثيق الإيمان, ريّان الضمير.
كان كما وصفه حسّان بن ثابت:
صقرا توسّط في الأنصار منصبه سمح الشجيّة محضا غير مؤتشب
ولما رفعت غزوة بدر أعلامها, كان هناك جنديا باسلا, ومقاتلا مقداما.
وكان من بين المشركين الذين وقعوا في طريقه إبّان المعركة فصرعهم بسيفه الحارث بن عمرو بن نوفل.
وبعد انتهاء المعركة, وعودة البقايا المهزومة من قريش إلى مكة عرف بنو الحارث مصرع أبيهم, وحفظوا جيدا اسم المسلم الذي صرعه في المعركة: خبيب بن عديّ..!!

وعاد المسلمون من بدر إلى المدينة, يثابرون على بناء مجتمعهم الجديد..
وكان خبيب عابدا, وناسكا, يحمل بين جبينه طبيعة الناسكين, وشوق العابدين..
هناك أقبل على العبادة بروح عاشق.. يقوم الليل, ويصوم الناهر, ويقدّس لله رب العالمين..

وذات يوم أراد الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يبلو سرائر قريش, ويتبيّن ما ترامى إليه من تحرّكاتها, واستعدادها لغزو جديد.. فاختار من أصحابه عشرة رجال.. من بينهم خبيب وجعل أميرهم عاصم بن ثابت.
وانطلق الركب إلى غايته حتى إذا بلغوا مكانا بين عسفان ومكة, نمي خبرهم إلى حيّ من هذيل يقال لهم بنو حيّان فسارعوا إليهم بمائة رجل من أمهر رماتهم, وراحوا يتعقبونهم, ويقتفون آثارهم..
وكادوا يزيغون عنهم, لولا أن أبصر أحدهم بعض نوى التمر ساقطا على الرمال.. فتناول بعض هذا النوى وتأمله بما كان للعرب من فراسة عجيبة, ثم صاح في الذين معه:
" انه نوى يثرب, فلنتبعه حتى يدلنا عليهم"..
وساروا مع النوى المبثوث على الأرض, حتى أبصروا على البعد ضالتهم التي ينشدون..
وأحس عاصم أمير العشرة أنهم يطاردون, فدعا أصحابه إلى صعود قمة عالية على رأس جبل..
واقترب الرماة المائة, وأحاطوا بهم عند سفح الجبل وأحكموا حولهم الحصار..
ودعوهم لتسليم أنفسهم بعد أن أعطوهم موثقا ألا ينالهم منهم سوء.
والتفت العشرة إلى أميرهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين.
وانتظروا بما يأمر..
فإذا هو يقول:" أما أنا, فوالله لا أنزل في ذمّة مشرك..
اللهم أخبر عنا نبيك"..

وشرع الرماة المائة يرمونهم بالنبال.. فأصيب أميرهم عاصم واستشهد, وأصيب معه سبعة واستشهدوا..
ونادوا الباقين, أنّ لهم العهد والميثاق إذا هم نزلوا.
فنزل الثلاثة: خبيب بن عديّ وصاحباه..
واقترب الرماة من خبيب وصاحبه زيد بن الدّثنّة فأطلقوا قسيّهم, وربطوهما بها..
ورأى زميلهم الثالث بداية الغدر, فقرر أن يموت حيث مات عاصم وإخوانه..
واستشهد حيث أراد..
وهكذا قضى ثمانية من أعظم المؤمنين إيمانا, وأبرّهم عهدا, وأوفاهم لله ولرسوله ذمّة..!!
وحاول خبيب وزيد أن يخلصا من وثاقهما, ولكنه كان شديد الإحكام.
وقادهما الرماة البغاة إلى مكة, حيث باعوهما لمشركيها..
ودوّى في الآذان اسم خبيب..
وتذكّر بنوالحارث بن عامر قتيل بدر, تذكّروا ذلك الاسم جيّدا, وحرّك في صدورهم الأحقاد.
وسارعوا إلى شرائه. ونافسهم على ذلك بغية الانتقام منه أكثر أهل مكة ممن فقدوا في معركة بدر آباءهم وزعماءهم.
وأخيرا تواصوا عليه جميعا وأخذوا يعدّون لمصير يشفي أحقادهم, ليس منه وحده, بل ومن جميع المسلمين..!!
وضع قوم آخرون أيديهم على صاحب خبيب زيد بن الدّثنّة وراحوا يصلونه هو الآخر عذابا..

أسلم خبيب قلبه, وأمره,ومصيره لله رب العالمين.
وأقبل على نسكه ثابت النفس, رابط الجأش, معه من سكينة الله التي افاءها عليه ما يذيب الصخر, ويلاشي الهول.
كان الله معه.. وكان هو مع الله..
كانت يد الله عليه, يكاد يجد برد أناملها في صدره..!
دخلت عليه يوما إحدى بنات الحارث الذي كان أسيرا في داره, فغادرت مكانه مسرعة إلى الناس تناديهم ليبصروا عجبا..
" والله لقد رأيته يحمل قطفا كبيرا من عنب يأكل منه..
وانه لموثق في الحديد.. وما بمكة كلها ثمرة عنب واحدة..
ما أظنه إلا رزقا رزقه الله خبيبا"..!!

أجل آتاه الله عبده الصالح, كما آتى من قبل مريم بنت عمران, يوم كانت:
(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ {37}آل عمران)..

وحمل المشركون إلى خبيب نبأ مصرع زميله وأخيه زيد رضي الله عنه.
ظانين أنهم بهذا يسحقون أعصابه, ويذيقونه ضعف الممات وما كانوا يعلمون أن الله الرحيم قد استضافه, وأنزل عليه سكينته ورحمته.
وراحوا يساومونه على إيمانه, ويلوحون له بالنجاة إذا ما هو كفر لمحمد, ومن قبل بربه الذي آمن به.. لكنهم كانوا كمن يحاول اقتناص الشمس برمية نبل..!!
أجل, كان ايمان خبيب كالشمس قوة, وبعدا, ونارا ونورا..
كان يضيء كل من التمس منه الضوء, ويدفئ كل من التمس منه الدفء, أم الذي يقترب منه ويتحدّاه فانه يحرقه ويسحقه..
وإذا يئسوا مما يرجون, قادوا البطل إلى مصيره, وخرجوا به إلى مكان يسمى التنعيم حيث يكون هناك مصرعه..
وما إن بلغوه حتى استأذنهم خبيب في أن يصلي ركعتين, وأذنوا له ظانين أنه قد يجري مع نفسه حديثا ينتهي باستسلامه وإعلان الكفران بالله وبرسوله وبدينه..
وصلى خبيب ركعتين في خشوع وسلام وإخبات...

وتدفقت في روحه حلاوة الإيمان, فودّ لو يظل يصلي, ويصلي ويصلي..
ولكنه التفت صوب قاتليه وقال لهم:
" والله لا تحسبوا أن بي جزعا من الموت, لازددت صلاة"..!!
ثم شهر ذراعه نحو السماء وقال:
" اللهم أحصهم عددا.. واقتلهم بددا"..
ثم تصفح وجوههم في عزم وراح ينشد:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وان يشــأ يبـــــــارك على أوصال شلو ممزّع

ولعله لأول مرة في تاريخ العرب يصلبون رجلا ثم يقتلونه فوق الصليب..
ولقد أعدّوا من جذوع النخل صليبا كبيرا أثبتوافوقه خبيبا.. وشدّوا فوق أطرافه وثاقه.. واحتشد المشركون في شماتة ظاهرة.. ووقف الرماة يشحذون رماحهم.
وجرت هذه الوحشية كلها في بطء مقصود أمام البطل المصلوب..!!
لم يغمض عينيه, ولم تزايل السكينة العجيبة المضيئة وجهه.
وبدأت الرماح تنوشه, والسيوف تنهش لحمه.
وهنا اقترب منه أحد زعماء قريش وقال له:
" أتحب أن محمدا مكانك, وأنت سليم معافى في أهلك"..؟؟
وهنا لا غير انتفض خبيب كالإعصار وصاح, في قاتليه:
" والله ما أحبّ أني في أهلي وولدي, معي عافية الدنيا ونعيمها, ويصاب رسول الله بشوكة"..

نفس الكلمات العظيمة التي قالها صاحبه زيد وهم يهمّون بقتله..! نفس الكلمات الباهرة الصادعة التي قالها زيد بالأمس.. ويقولها خبيب اليوم.. مما جعل أبا سفيان, وكان لم يسلم بعد, يضرب كفا بكف ويقول مشدوها:" والله ما رأيت أحدا يحب أحدا كما يحب أصحاب محمد محمدا"..!!

كانت كلمات خبيب هذه إيذانا للرماح وللسيوف بأن تبلغ من جسد البطل غايتها, فتناوشه في جنون ووحشية..
وقريبا من المشهد كانت تحومطيور وصقور. كأنها تنتظر فراغ الجزارين وانصرافهم حتى تقترب هي فتنال من الجثمان وجبة شهيّة..
ولكنها سرعان ما تنادت وتجمّعت, وتدانت مناقيرها كأنها تتهامس وتتبادل الحديث والنجوى.
وفجأة طارت تشق الفضاء, وتمضي بعيدا.. بعيدا..

لكأنها شمّت بحاستها وبغريزتها عبير رجل صالح أوّاب يفوح من الجثمان المصلوب, فخذلت أن تقترب منه أو تناله بسوء..!!
مضت جماعة الطير إلى رحاب الفضاء متعففة منصفة.

وعادت جماعة المشركين إلى أوكارها الحاقدة في مكة باغية عادية..
وبقي الجثمان الشهيد تحرسه فرقة من القرشيين حملة الرماح والسيوف..!!

كان خبيب عندما رفعوه إلى جذوع النخل التي صنعوا منها صليبا, قد يمّم وجهه شطر السماء وابتهل إلى ربه العظيم قائلا:
" اللهم إنا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلّغه الغداة ما يصنع بنا"..
واستجاب الله دعاءه..
فبينما الرسول في المدينة إذ غمره إحساس وثيق بأن أصحابه في محنة..
وتراءى له جثمان أحدهم معلقا..
ومن فوره دعا المقداد بن عمرو, والزبير بن العوّام..
فركبا فرسيهما, ومضيا يقطعان الأرض وثبا.
وجمعهما الله بالمكان المنشود, وأنزلا جثمان صاحبهما خبيب, حيث كانت بقعة طاهرة من الأرض في انتظاره لتضمّه تحت ثراها الرطيب.

ولا يعرف أحد حتى اليوم أين قبر خبيب.
ولعل ذلك أحرى به وأجدر, حتى يظل مكانه في ذاكرة التاريخ, وفي ضمير الحياة, بطلا.. فوق الصليب..!!!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Best Designer
مبدع فريق الابداع

مبدع فريق الابداع
avatar

. :
عدد المشاركات : 1028
تاريخ التسجيل : 29/10/2010
الموقع : http://shbab-star.yoo7.com
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )   7/12/2010, 3:35 am

زيد بن الخطاب ( صقر يوم اليمامة )

جلس النبي صلى الله عليه وسلم يوما, وحوله جماعة من المسلمين وبينما الحديث يجري, أطرق الرسول لحظات, ثم وجّه الحديث لمن حوله قائلا:
" إن فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من جبل أحد"..
وظل الخوف بل لرعب من الفتنة في الدين, يراود ويلحّ على جميع الذين شهدوا هذا المجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم... كل منهم يحاذر ويخشى أن يكون هو الذي يتربّص به سوء المنقلب وسوء الختام..
ولكن جميع الذين وجّه إليهم الحديث يومئذ ختم لهم بخير, وقضوا نحبهم شهداء في سبيل الله. وما بقي منهم حيّا سوى أبي هريرة والرّجّال بن عنفوة.

ولقد ظلّ أبو هريرة ترتعد فرائصه خوفا من أن تصيبه تلك النبوءة. ولم يرقأ له جفن, وما هدأ له بال حتى دفع القدر الستار عن صاحب الحظ التعس. فارتدّ الرّجّال عن الإسلام ولحق بمسيلمة الكذاب, وشهد له بالنبوّة.
هنالك استبان الذي تنبأ له الرسول صلى الله عليه وسلم بسوء المنقلب وسوء المصير..
والرّجّال بن عنفوة هذا, ذهب ذات يوم إلى الرسول مبايعا ومسلما, ولما تلقّى منه الإسلام عاد إلى قومه.. ولم يرجع إلى المدينة إلا اثر وفاة الرسول واختيار الصدّيق خليفة على المسلمين.. ونقل إلى أبي بكر أخبار أهل اليمامة والتفافهم حول مسيلمة, واقترح على الصدّيق أن يكون مبعوثه إليهم يثبّتهم على الإسلام, فأذن له الخليفة..
وتوجّه الرّجّال إلى أهل اليمامة.. ولما رأى كثرتهم الهائلة ظنّ أنهم الغالبون, فحدّثته نفسه الغادرة أن يحتجز له من اليوم مكانا في دولة الكذّاب التي ظنّها مقبلة وآتية, فترك الإسلام, وانضمّ لصفوف مسيلمة الذي سخا عليه بالوعود.

وكان خطر الرّجّال على الإسلام أشدّ من خطر مسيلمة ذاته.
ذلك, لأنه استغلّ إسلامه السابق, والفترة التي عاشها بالمدينة أيام الرسول, وحفظه لآيات كثيرة من القرآن, وسفارته لأبي بكر خليفة المسلمين.. استغلّ ذلك كله استغلالا خبيثا في دعم سلطان مسيلمة وتوكيد نبوّته الكاذبة.
لقد سار بين الناس يقول لهم: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إنه أشرك مسيلمة بن حبيب في الأمر".. وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات, فأحق الناس بحمل راية النبوّة والوحي بعده, هو مسيلمة..!!
ولقد زادت أعين الملتفين حول مسيلمة زيادة طافحة بسبب أكاذيب الرّجّال هذا. وبسبب استغلاله الماكر لعلاقاته السابقة بالإسلام وبالرسول.
وكانت أنباء الرّجّال تبلغ المدينة, فيتحرّق المسلمون غيظا من هذا المرتدّ الخطر الذي يضلّ الناس ضلالا بعيدا, والذي يوسّع بضلاله دائرة الحرب التي سيضطر المسلمون أن يخوضوها.
وكان أكثر المسلمين تغيّظا, وتحرّقا للقاء الرّجّال صحابي جليل تتألق ذكراه في كتب السيرة والتاريخ تحت هذا الاسم الحبيب زيد بن الخطّاب..!!
زيد بن الخطّاب..؟
لا بد أنكم عرفتموه..
إنه أخو عمر بن الخطّاب..
أجل أخوه الأكبر, والأسبق..
جاء الحياة قبل عمر, فكان أكبر منه سنا..
وسبقه إلى الإسلام.. كما سبقه إلى الشهادة في سبيل الله..
وكان زيد بطلا باهر البطولة.. وكان العمل الصامت. الممعن في الصمت جوهر بطولته.
وكان إيمانه بالله وبرسوله وبدينه ايمانا وثيقا, ولم يتخلّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشهد ولا في غزاة.
وفي كل مشهد لم يكن يبحث عن النصر, بقدر ما يبحث عن الشهادة..!
يوم أحد, حين حمي القتال بين المسلمين والمشركين والمؤمنين. راح زيد بن الخطاب يضرب ويضرب..
وأبصره أخوه عمر بن الخطّاب, وقد سقط درعه عنه, وأصبح أدنى منالا للأعداء, فصاح به عمر.
" خذ درعي يا زيد فقاتل بها"..
فأجابه زيد:
" إني أريد من الشهادة ما تريد يا عمر"..!!!
وظل يقاتل بغير درع في فدائية باهرة, واستبسال عظيم.

قلنا إنه رضي الله عنه, كان يتحرّق شوقا للقاء الرّجّال متمنيّا أن يكون الإجهاز على حياته الخبيثة من حظه وحده.. فالرّجّال في رأي زيد, لم يكن مرتدّا فحسب.. بل كان كذّابا منافقا, وصوليا.
لم يرتدّ عن اقتناع.. بل عن وصولية حقيرة, ونفاق بغيض هزيل.
وزيد في بغضه النفاق والكذب, كأخيه عمر تماما..!
كلاهما لا يثير اشمئزازه, مثل النفاق الذي تزجيه النفعيّة الهابطة, والأغراض الدنيئة.
ومن أجل تلك الأغراض المنحطّة, لعب الرّجّال دوره الآثم, فأربى عدد الملتفين حول مسيلمة إرباء فاحشا, وهو بهذا يقدّم بيديه إلى الموت والهلاك أعدادا كثيرة ستلاقي حتفها في معارك الردّة..
أضلّها أولا, وأهلكها أخيرا.. وفي سبيل ماذا..؟ في سبيل أطماع لئيمة زيّنتها له نفسه, وزخرفها له هواه, ولقد أعدّ زيد نفسه ليختم حياته المؤمنة بمحق هذه الفتنة, لا في شخص مسيلمة بل في شخص من هو أكبر منه خطرا, وأشدّ جرما الرّجّال بن عنفوة.

وبدأ يوم اليمامة مكفهرّا شاحبا.
وجمع خالد بن الوليد جيش الإسلام, ووزعه على مواقعه ودفع لواء الجيش إلى من..؟؟
إلى زيد بن الخطّاب.
وقاتل بنو حنيفة أتباع مسيلمة قتالا مستميتا ضاريا..
ومالت المعركة في بدايتها على المسلمين, وسقط منهم شهداء كثيرون.
ورأى زيد مشاعر الفزع تراود بعض أفئدة المسلمين, فعلا ربوة هناك, وصاح في إخوانه:
" أيها الناس.. عضوا على أضراسكم, واضربوا في عدوّكم, وامضوا قدما.. والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله, أو ألقاه سبحانه فأكلمه بحجتي"..!!
ونزل من فوق الربوة, عاضّا على أضراسه, زامّا شفتيه لا يحرّك لسانه بهمس.
وتركّز مصير المعركة لديه في مصير الرّجّال, فراح يخترق الخضمّ المقتتل كالسهم, باحثا عن الرّجّال حتى أبصره..

وهناك راح يأتيه من يمين, ومن شمال, وكلما ابتلع طوفان المعركة غريمه وأخفاه, غاص زيد وراءه حتى يدفع الموج إلى السطح من جديد, فيقترب منه زيد ويبسط إليه سيفه, ولكن الموج البشري المحتدم يبتلع الرّجّال مرّة أخرى, فيتبعه زيد ويغوص وراءه كي لا يفلت..
وأخيرا يمسك بخناقه, ويطوح بسيفه رأسه المملوء غرورا, وكذبا, وخسّة..
وبسقوط الأكذوبة, أخذ عالمها كله يتساقط, فدبّ الرعب في نفس مسيلمة في روع المحكم بن الطفيل ثم في جيش مسيلمة الذي طار مقتل الرّجّال فيه كالنار في يوم عاصف..
لقد كان مسيلمة يعدهم بالنصر المحتوم, وبأنه هو والرّجّال بن عنفوة, والمحكم بن طفيل سيقومون غداة النصر بنشر دينهم وبناء دولتهم..!!
وها هو ذا الرّجّال قد سقط صريعا.. إذن فنبوّة مسيلمة كلها كاذبة..
وغدا سيسقط المحكم, وبعد غد مسيلمة..!!
هكذا أحدثت ضربة زيد بن الخطاب كل هذا المدار في صفوف مسيلمة..
أما المسلمون, فما كاد الخبر يذيع بينهم حتى تشامخت عزماتهم كالجبال, ونهض جريحهم من جديد, حاملا سيفه, وغير عابئ بجراحه..
حتى الذين كانوا على شفا الموت, لا يصلهم بالحياة سوى بقية وهنانة من رمق غارب, مسّ النبأ أسماعهم كالحلم الجميل, فودّوا لو أنّ بهم قوّة يعودون بها إلى الحياة ليقاتلوا, وليشهدوا النصر في روعة ختامه..
ولكن أنّى لهم هذا, وقد تفتح أبواب الجنّة لاستقبالهم وإنهم الآن ليسمعون أسماءهم وهم ينادون للمثول..؟؟!!

رفع زيد بن الخطاب ذراعيه إلى السماء مبتهلا لربّه, شاكرا نعمته..
ثم عاد إلى سيفه وإلى صمته, فلقد أقسم بالله من لحظات ألا يتكلم حتى يتم النصر أو ينال الشهادة..
ولقد أخذت المعركة تمضي لصالح المسلمين.. وراح نصرهم المحتوم يقترب ويسرع..

هنالك وقد رأى زيد رياح النصر مقبلة, لم يعرف لحياته ختاما أروع من هذا الختام, فتمنّى لو يرزقه الله الشهادة في يوم اليمامة هذا..
وهبّت رياح الجنة فملأت نفسه شوقا, ومآقيه دموعا,وعزمه إصرارا..
وراح يضرب ضرب الباحث عن مصيره العظيم..
وسقط البطل شهيدا..
بل قولوا: صعد شهيدا..
صعد عظيما, ممجّدا, سعيدا..
وعاد جيش الإسلام إلى المدينة ظافرا..
وبينما كان عمر, يستقبل مع الخليفة أبي بكر أولئك العائدين الظافرين, راح يرمق بعينين مشتاقين أخاه العائد..
وكان زيد طويل بائن الطول, ومن ثمّ كان تعرّف العين عليه أمرا ميسورا..
ولكن قبل أن يجهد بصره, اقترب إليه من المسلمين العائدين من عزّاه في زيد..
وقال عمر:
" رحم الله زيدا..
سبقني إلى الحسنيين..
أسلم قبلي..
واستشهد قبلي".

وعلى كثرة الانتصارات التي راح الإسلام يظفر بها وينعم, فان زيدا لم يغب عن خاطر أخيه الفاروق لحظة..
ودائما كان يقول:
" ما هبّت الصبا, إلا وجدت منها ريح زيد".
أجل..
إن الصبا لتحمل ريح زيد, وعبير شمائله المتفوقة..
ولكن, إذا إذن أمير المؤمنين, أضفت لعبارته الجليلة هذه, كلمات تكتمل معها جوانب الإطار.
تلك هي:
" .. وما هبّت رياح النصر على الإسلام منذ يوم اليمامة إلا وجد الإسلام فيها ريح زيد.. وبلاء زيد.. وبطولة زيد.. وعظمة زيد..!!"

بورك آل الخطّاب تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم..
بوركوا يوم أسلموا.. وبوركوا أيام جاهدوا, واستشهدوا.. وبوركوا يوم يبعثون..!!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
رجـــــال حول الرسول ( صلى الله عليه وسلم )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 3انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شباب ستار :: عالــــــــ الدين الاسلامي ـــــــم :: الدين الاسلامي-
انتقل الى: